إيران – أميركا... وجولة الروليت الروسية
في هذه الجولة، لا يجلس الأميركيون والإيرانيون إلى طاولة بقدر ما يتحلّقون حول مسدس واحد. أسطوانة تدور، زناد يُضغط، وصمت قصير قبل النتيجة. كل بيان أشبه بطلقة اختبار، وكل تراجع إعادة لفّ للأسطوانة.
المشهد لا يشبه تمهيداً للتفاوض بقدر ما يشبه اختبار أعصاب مستمراً.
دونالد ترامب يعلن "تقدّماً" كمن يبتسم قبل ضغط الزناد، ثم يعود بعد ساعات إلى لغة التهديد كمن سمع صدى الطلقة في رأسه. في المقابل، تتعامل طهران مع مضيق هرمز كأنه مقبض أمان، يُفتح لطمأنة الأسواق، ثم يُعاد إقفاله ليذكّر الجميع بأن الأمان موقت. الممرّ لا يعمل كقناة ملاحة بقدر ما يعمل كمؤشّر مزاج سياسي.
المفاوضات نفسها تبدو كالرصاصة المخبأة في الأسطوانة. اسمها حاضر، وجهتها معروفة، وشروطها موضوعة على الطاولة… لكن الإشارة إليها لا تثبت طويلاً قبل أن تُسحب. إسلام آباد تُذكر كموعد محتمل، ورفع الحصار يُطرح كشرط، ثم يتراجع كل شيء خطوة إلى الخلف.
والنتيجة الأوضح حتى الآن: لا قرار إيرانياً بإرسال وفد. لا موافقة واضحة، ولا رفض حاسم، بل ذلك الفراغ المعلّق بينهما، وهو الفراغ القاتل نفسه الذي تعيشه المنطقة كلها.
ثم تأتي التسريبات لتكمل اللعبة. حديث عن "انفراجة" يقابله حديث عن "فجوات"، إشارات إيجابية تُلغى بشروط حاسمة، وثقة غائبة تُستدعى في كل جولة ثم تختفي. كل طرف يوزّع روايته كمن يعيد ترتيب الرصاص داخل الأسطوانة، ليقنع الآخرين أنه يمسك اللعبة، فيما إصبعه لا تزال ترتجف فوق الزناد.
في البحر، سفن تترقّب، ممرّ يُفتح ثم يُغلق، ومسارات تتبدّل، فيما تقرأ الأسواق الإشارات كما تُقرأ تعابير وجه مقامر. وفي السياسة، هدنة تُعلن ثم تهتزّ، وتصعيد يُلوّح به من دون أن يُنفَّذ، ووفد يُطرح ثم يُسحب…
هكذا تستمر اللعبة. الأسطوانة تدور، والطلقة مؤجّلة، ولا أحد مستعد لترك المسدس.





