... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
130742 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 10754 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

أيُّ مَدرسةٍ نُريدُ؟

العالم
هسبريس
2026/04/07 - 21:31 502 مشاهدة

كيف لمدرسةٍ يُفترض أن تكونَ سُلّمًا للارتقاء الاجتماعي أن تتحوّل، في نظر آلاف التّلاميذ، إلى مَسارٍ ينقطع قبل اكتماله؟ وكيف يستقيم الحديث عن الحقّ في التعليم، والحالُ أن أعدادًا كبيرة من المتعلّمين يغادرُون المنظومة قبل بلوغ مرحلة البكالوريا، أو يظلّون داخلها من غير أن يمتلكوا الحدّ الأدنى من أدوات الفهم والتحصيل؟ ثم ما الذي يتبقّى من معنى المدرسة حين تعجز عن حماية التلميذ من الهدر، وعن تمكينه من التّعلّمات الأساسية؟ هل تكمن الأزمة في الولوج إلى المدرسة، أم في القدرة على الاستمرار فيها، أم في جودة ما تقدّمه، أم في اجتماع هذه الاختلالات كلها؟

حينَ تكشفُ الأرقَام أزْمة مَدرسةٍ

كشف تقرير “رصد التعليم” لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو 2026) أن أزمة التعليم في المغرب ليست أزمة أرقام أو اختلالات قطاعية محدودة، بقدر ما هي أزمة بِنْية ووظيفة ومَآل. يضعنا التقرير أمام معطيات إحصائية صادمة، وأمام صورة لمنظومة تعليمية تستقبل أعداداً من الأطفال، ثم تعجز عن أن تقودهم إلى نهاية المسار الدراسي، أو أن تمنحهم أثناء ذلك الحد الأدنى من التّعلمات التي تجعل من المدرسة أداة للارتقاء الفردي والعدالة الاجتماعية. يفضح التقرير التناقض الذي يحكم المدرسة المغربية اليوم: توسُّع نسبي في التّمدرس من جهة، واستمرارٌ للهَدْر وضعف الجودة من جهة ثانية.

لعلّ أول ما يشد الانتباه في هذا التقرير هو المعطى الذي يلخص المسار التعليمي كله؛ تؤكد البيانات أن 74% من التلاميذ يغادرُون المدرسة دون الحُصول على البكالُوريا. لا يعني هذا الرقم، في دلالته، أن ثلاثة أرباع التلاميذ لا يصلُون إلى نهاية التعليم الثانوي، وإنما يعني أيضاً أن المدرسة المغربية ما زالت عاجزة عن تحويل التمدرس إلى مسار مكتمل وفعّال ومنتج للفرص. فحين يصبح الحصول على البكالوريا مقتصرا على 26% فقط من المتعلمين، فإن المرء يجدُ نفسه أمام اختلال بنيوي يجعل النّجاح في المسار الدراسي أقرب إلى الاستثناء منه إلى القاعدة. ويتضاعف وقع هذا المعطى حين يقترن بمؤشّر آخر لا يقلّ أهمية، وهو أن 80% من التلاميذ مستواهم متدنٍّ، بما يعني أن الأزمة لا تكمن في الذين يغادرون المدرسة، بقدر ما هي كامنة في الذين يواصلُون التّعلّم من دون أن يحصلوا على تعليم يرفع من كفاياتهم ويؤهلهم لمواصلة الدّراسة أو الاندماج في المجتمع والاقتصاد. ومع ذلك، فإن القراءة الرصينة لهذا التقرير تقتضي ألا نسقط في خطاب سوداوي مطلق، لأنه يسجّل، في المقابل، تقدماً لا يمكن إنكاره في تقليص الهدر المدرسي من زاوية الوُلوج الأولي إلى التّعليم. فقد انخفض عدد غير الملتحقين بالمدارس من أكثر من مليوني طفل سنة 2000 إلى 570 ألفاً سنة 2023. وهذا تحوُّل مهم جداً، لأنه يدلّ على أن المغرب راكم خلال العقود الماضية، جهداً فعلياً في توسيع العرض التربوي وتحسين نسب الالتحاق، خصوصاً في التعليم الابتدائي. غير أن هذا الإنجاز، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب مفارقة أخرى: لقد نجحت المنظومة نسبياً في إدخال مزيد من الأطفال إلى المدرسة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في إبقائهم داخلها، ولا في ضمان جودة كافية لما يتلقونه من تعلُّم. فالقضية، إذاً، لم تعد مقتصرة على الحقّ في الولوج، ذلك أنها أصبحت مرتبطة أساساً بالحق في الاستمرار، والحق في التعلم الجيّد، والحق في التخرج بحدّ أدنى من الكفاءة والكرامة المعرفية. تزداد الصورة وضوحًا حين نرصد الهدر التربوي عبر مختلف المراحل الدراسية كما يعرضه التقرير. ففي الابتدائي، 16% من التلاميذ لا يكملون دراستهم، وترتفع النّسبة في الإعدادي إلى 53%، لتصل في الثانوي إلى 74%.

يؤكّد توزيعُ الأطفال خارج المدرسة هذه الحقيقةَ بجلاء. فقد رصد التقرير وجودَ 48 ألف طفل خارج المنظومة في السلك الابتدائي، و86 ألفًا في السلك الإعدادي، و418 ألفًا في السلك التأهيلي. وتكشف هذه المعطيات أن المدرسة تفقد أبناءها تدريجيًا كلّما اقتربوا من المرحلة التي يُفترض أن تفتح أمامهم آفاق الجامعة، أو التكوين، أو الارتقاء الاجتماعي. وهو أمر بالغ الأهمية، لأن الانقطاع في هذه المرحلة لا يحرم التلميذ من شهادة فقط، وإنما يحاصره أيضاً في سوق الشغل، ويضعف قدرته على الاستقلال الاقتصادي والمشاركة المدنية. بذلك يصبح الهَدْر المدرسي قضية تنموية واجتماعية عميقة الأثر. وإذا كان الانقطاع يمثل الوجه الأول للأزمة، فإن الوجه الثاني، وربما الأشد خطراً على المدى البعيد، هو تدني جودة التعلّم وكفاءة التلاميذ؛ يشير التقرير بوضوح إلى ضعف شديد في الكفايات الأساسية، لا سيما في القراءة والرياضيات. ففي المرحلة الابتدائية يظهر أن مستويات التحكم في التعلمات الأساسية تبقى محدودة للغاية، بينما تتفاقم الأزمة في الإعدادي حيث يرد أن أزيد من 80% من تلاميذ الإعدادي دون المستوى الأدنى. وهذه المعطيات شديدة الأهمية، لأن القراءة والرياضيات ليستا مجرد مادتين دراسيتين، إنهما أساس كل تعلم لاحق. من لا يتقن القراءة لا يستطيع أن يتمكّن من استيعاب التَّعلمات في التاريخ أو العلوم أو الفلسفة، ومن لا يمتلك أدوات الرياضيات الأساسية يعجز عن فهم المنطق الكمّي والتحليل المنهجي.

من هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم العلاقة بين ضعف الجودة وارتفاع التكرار. فالتقرير يبين أن ربع التلاميذ في الإعدادي يتجاوز سِنُّهم المستوى الدراسي الذي ينتمون إليه. وهذا ليس مؤشراً تنظيمياً بسيطاً، فحين يكرّر التلميذ السنة مرة أو أكثر، دون أن يتلقّى دعماً نوعياً يعالج أسباب التعثّر، يتحول التكرار من فرصة ثانية إلى مسار استنزاف نفسي وتربوي. ومع مرور الوقت، يصبح التلميذ أكبر من زملائه سناً، وأضعف منهم تحصيلاً، وأقل اندماجاً في الحياة الصَّفية، فتتراجع ثقته بنفسه، ويضعف دافعه للاستمرار في الدراسة، ويصبح انقطاعه عنها أكثر احتمالاً. هكذا، يتجاوز التقرير حدود التشخيص المدرسي الصرف حين يربط هذه النتائج بـتأثير الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والمجالية. وهنا تتجلى إحدى أعقد الحقائق: المدرسة المغربية لا تشتغل بالقدر الكافي كآلية لتصحيح التفاوتات، ذلك أنها كثيراً ما تنتهي إلى إعادة إنتاجها. فالتلميذ المنتمي إلى أسرة ميسورة تكون فرصه أعلى في إتمام الدراسة وفي التمتع بتعليم أجْود، لأن أسرته تملك موارد مادية وثقافية تساعده على الاستمرار والدعم والمواكبة. أما التلميذ المنتمي إلى أسرة فقيرة، فيواجه صعوبات أشد في الاستمرار، سواء بسبب الكلفة المباشرة وغير المباشرة للدراسة، أو بسبب هشاشة المحيط الأسري، أو ضعف الرأسمال الثقافي، أو الضغط المبكر نحو العمل والمساهمة في الإعالة. وفي السياق نفسه، يبرز التقرير هشاشة المناطق القروية وصعوبة استكمال الدراسة فيها بعد التعليم الابتدائي، بما يكشف أن التفاوت المجالي ما زال عاملاً حاسماً في تحديد الحظوظ التعليمية. وهذا يعني أن المدرسة، بدل أن تكون فضاءً للإنصاف، تتحول أحياناً إلى مرآة حادة للامساواة الاجتماعية.

أي معنى لمدرسة لا تصنع تكافؤ الفرص؟

يتضحُ مما سبق أنّ الرّسالة التي يحملها التقرير تكمن في أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يظل أسير المقاربات الجزئية أو التدخلات التقنية المحدودة. فالمشكل أكبر من مجرد مراجعة برامج أو بناء حُجرات أو تغيير صيغ التقويم. نحن أمام حاجة إلى إصلاح يعتبر أن الاستمرار الدراسي، وجودة التعلم، والعدالة المجالية والاجتماعية، حلقات مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. فلا معنى لتوسيع الولوج إذا ظل المتعلم يغادر المدرسة في الإعدادي أو الثانوي، ولا معنى للإبقاء عليه في الفصل إذا كان يغادره من دون قراءة سليمة أو قدرة حسابية أساسية. وعليه، فإن أي أفق جدّي لتجاوز هذا الوضع يفترض إعادة ترتيب الأولويات بوضوح استراتيجي. البداية ينبغي أن تكون من التعلمات الأساسية في السنوات الأولى، لأن المدرسة التي تفشل في تعليم الطفل القراءة والفهم والحساب، إنما تؤسّس لكل أشكال الفَشل اللاَّحقة. ثم لا بد من سياسات للحدِّ من الانقطاع في الإعدادي والثانوي. كما يصبح من الضروري تطوير آليات الدعم التربوي والاجتماعي الموجّه للفئات الأكثر هشاشة باعتباره شرطاً للنجاعة نفسها. وإلى جانب ذلك، لا بد من تقليص أثر التَّفاوت المجالي عبر تحسين شروط التَّمدرس في القرى والمناطق البعيدة، وجعل الانتقال بين الأسلاك أقلَّ كلفة وأكثر أمْناً تربوياً ونفسياً.

هل ما زالت المدرسة طريقاً للارتقاء؟

ما من شكّ أن هذا التقرير يقدم تشخيصاً صارماً لخلل تاريخي ما زال يحدّ من قُدرة المدرسة المغربية علَى أداء رسالتها كاملة. لقد تحقق تقدم في تقليص عدد غير المتمدرسين، وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها، لكن الحقيقة الأثقل هي أن المدرسة ما زالت تخسر أعداداً هائلة من أبنائها قبل الوصول إلى البكالوريا، وما زالت تعجز عن ضمان الحد الأدنى من الكفايات الأساسية لغالبية واسعة منهم، وما زالت الفوارق الاجتماعية والمجالية تتحكم بقوة في مصائرهم الدراسية. لذلك فإن الرهان اليوم لم يعد كامنا في مجرد تعميم التعليم في معناه الكمي، وإنما في إعادة تأسيس المدرسة المغربية على قاعدة الجودة والإنصاف؛ دون ذلك ستظل الأرقام تتحسن على الورق في بعض الجوانب، بينما يبقى الجوهر على حاله: مدرسة يدخلها كثيرون، ويعبرها قليلون، ويخرج منها عدد كبير بأقل مما ينبغي من العلم والثقة.

فأي مدرسة نريد حقاً: مدرسةً تفتح أبوابها للأطفال ثم تعجز عن مُرَافقتهم إلى نهاية الطريق، أم مدرسةً تصنع المعرفة والكرامة وتكافؤ الفُرص؟ وكيف يمكن القبول بمنظومةٍ يظلّ فيها النجاح الدراسي مرتبطاً، في كثير من الأحيان، بالموقع الاجتماعي والمجالي أكثر مما يرتبط بالاستحقاق والجُهد؟ ثم أيّ أفق يمكن أن ننتظرهُ من تعليمٍ لا يضمن البقاء في المدرسة، ولا يؤمّن جودة التّعلم، ولا يحمي الفئات الهشَّة من السُّقوط المبكّر؟

أعتبر هذه الأسئلة خلاصة منطقية لتقرير يفرض مراجعة عميقة لأولويات الإصلاح؛ فإمّا أن نبنيَ المدرسة المغربية على أسس التميّز والعدالة، وإما أن تظل الأرقام، مهما تحسّنت جزئياً، شاهدة على خلل بنيوي يبدِّدُ طاقات الأفراد ويؤجل نهوض المجتمع.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post أيُّ مَدرسةٍ نُريدُ؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤