فلنبدأ بالمال.. طلبت وزارة الحرب نحو 1.2 مليار دولار لهذا الصندوق الجديد في مشروع موازنة السنة المالية 2026. فمن أين سيأتي الباقي؟ هناك سوابق قانونية راسخة تتيح للحكومة استخدام مثل هذا الاعتماد المالي لتوليد قدرة إقراض أكبر بكثير. فكل من بنك التصدير والاستيراد ومكتب برامج القروض في وزارة الطاقة يعملان بهذه الآلية، عبر الاقتراض من بنك التمويل الفيدرالي التابع لوزارة الخزانة استنادا إلى دعم ائتماني يقره الكونغرس. غير أن هذا الإطار، الذي أرساه قانون إصلاح الائتمان الفيدرالي لعام 1990، ينطبق على القروض وضمانات القروض، لا على الملكية في الأسهم. أما في الاستثمارات السهمية، فإن كل دولار يضخ يحتاج إما إلى دولار يخصصه الكونغرس، أو إلى دولار يأتي من مصدر خارجي.
ويفوق الحجم المقترح للصندوق، والبالغ 200 مليار دولار، قيمة الاعتماد المالي المرصود له بنحو مئة ضعف، في حين لم تكشف الجهات المعنية علنا عن الكيفية التي سيُبنى بها هذا الصندوق من حيث مصادر رأس المال وتركيبته التمويلية. غير أن وثيقة التوظيف تلمح إلى جزء من الصورة، إذ تعد المرشحين بإتاحة الوصول إلى شبكات عالمية لجمع الأموال، تشمل ارتباطات بصناديق سيادية ودول. ومن الصعب قراءة هذه الإشارة بمعزل عن صناديق الثروة السيادية الخليجية والأطراف الحاكمة في المنطقة، ولا سيما أن الدول كانت تعهدت خلال جولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مايو/أيار 2025 إلى السعودية والإمارات وقطر بضخ نحو تريليوني دولار في صورة استثمارات داخل الولايات المتحدة.
أما دلالات أن تتولى رؤوس أموال سيادية أجنبية تمويل صندوق سيستحوذ على حصص مسيطرة في شركات تعدها الولايات المتحدة حيوية لأمنها القومي، فهي بالغة الخطورة. فمن الذي سيتحكم في قرارات الاستثمار ضمن بنية كهذه، الحكومة الأميركية أم حكومات أجنبية؟ ومن الذي سيجني العوائد، دافعو الضرائب الأميركيون أم الشركاء محدودو المسؤولية الذين وفروا رأس المال؟ وهل ستحصل الحكومات الأجنبية على حقوق حوكمة رسمية، أم يقتصر نفوذها على ذلك التأثير غير الرسمي الملازم لتقديم 200 مليار دولار؟

وأنشئت لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة على وجه التحديد لأن صناع القرار أدركوا منذ زمن بعيد أن تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى القطاعات الحساسة قد يعرض الأمن القومي للخطر. وراجعت، خلال عملي في البيت الأبيض ووزارة الخزانة، مئات من هذه الصفقات. وكان المبدأ الذي حكم ذلك العمل واضحا ومباشرا: حين تتدفق الأموال الأجنبية إلى شركات أميركية ذات أهمية استراتيجية، يتعين على الحكومة الأميركية أن تدقق في الترتيب بحثا عن مكامن الخطر التي قد تمس الأمن القومي. كما تؤدي وكالة مكافحة التجسس والأمن التابعة لوزارة الحرب الأميركية، في جانب من دورها، مهمة الحؤول دون وقوع عناصر حساسة من القاعدة الصناعية الدفاعية تحت وطأة الملكية الأجنبية أو السيطرة الأجنبية أو النفوذ الأجنبي. ومع ذلك، فإن ما يبدو أن ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث يفكران فيه يقلب هذا المبدأ رأسا على عقب، إذ تصبح الحكومة نفسها الأداة التي تتيح لحكومات أجنبية الوصول إلى أكثر الصناعات الأميركية حساسية، وربما التأثير فيها أيضا.















