... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
114899 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9162 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

استنشاق الغياب..بحبر الحنين

العالم
أمد للإعلام
2026/04/06 - 11:21 501 مشاهدة

تقديم قصيدة الشاعرة التونسية جميلة عبسي الموسومة ب"عدني..سيجارة وضمني"

عدني..سيجارة وضمني 

لم أكن لأقع في حب أحدهم..

ولا لاعشق وأجن مثلما كنت معك ...

  أبحث عن شيء منك فيهم ..

أبحث عن نفس سيجارة يعيدني إلى الحياة..

أبحث عن حضن 

يشبه دفء حضنك ..

أبحث عن عيون ترى الجنون والحزن  بداخلي ..

ترى العشق يتطاير  بين أهدابي ..

أبحث عن عيون تبكي عندما يستنزفها العشق في خلوتي .. 

وفي حزني تهدهدني كلماتك 

فتطيب نفسي وتقر عيني ..

 لم أكن لأقع في حب أحدهم ابدا ..

أنا فقط أبحث عن رسم شفتيك بين الشفاه ..

أبحث عن جمالك القرطبي.. 

وشيمك العربية ..

أبحث عن رائحة الياسمين بصدرك ..

دمك دمي، وأنا منك خلقت ..

فكيف أحب غيرك 

وأنت تملأ عيني حزنا ..

أعطني نفسا معتقا برائحة سجائرك..

أعطني سيجارة 

أجدك فيها ..

أضمها كما كنت تضمني ..

اعصرها كما كنت تعصر التوت بحلقي ..

دبي 14/ فيفري / 2025

 

 

تصدير :

-الحب يخرج من بين سطور الروايات كفرس جامح لا يوقفه احد ويخشاه كل من التقاه،فله علوٌّ وله سقطات،و يمر كرمح يحوم حول هدفه المسجى في شرايين القلب..

 

في قصيدة "عدني.. سيجارة وضمني" للشاعرة التونسية جميلة عبسي،لا تقرأ النصَ فقط،بل تُستنشقه.تستنشقه كما تستنشق الروحُ آخرَ أنفاس عاشقٍ يرحل.إنها قصيدة تكتبُ بحبرِ الحنينِ وتوقيعِ الرماد،حيث تتحول السيجارة من مجرد مفردة يومية إلى أيقونة للحضن الغائب،ومن ثقب صغير ينفذ منه الدخان إلى نافذة تطل على جنة مفقودة.تمتزج هنا أنوثة التونسية بروح الأندلس، ويصبح الجسد وطنا للذاكرة،والشمُ لغةً للحب. الشاعرة لا تبحث عن حبيب،بل تبحث عن "نفسٍ معتقٍ" برائحة سجائره،عن "رسم شفتيه"بين كل الشفاه،عن "جماله القرطبي" و"شيمه العربية". 

إنها ترسم لوحة حزينة بملامح من ياسمين ودم وتوت معصور،فتخلق كونا شعريا خاصا حيث العشق ليس شعورا،بل عنصرا كالهواء والماء، والموت ليس نهاية،بل بحثا أبديا عن مرآة تعكس الجنون الجميل الذي صنعه ذلك الغائب.

إن المخزون الجمالي الذي تكتنزه الشاعرة التونسية جميلة عبسي في هذا النص الشعري ليس مجرد زخرف لغوي،بل هو كيمياء عاطفية نادرة.فهي تمتلك القدرة على تحويل الأشياء الصغيرة (سيجارة،حضن،عيون،ياسمين،توت) إلى رموز كونية للفقد والعشق والبحث الأبدي.وتتفوق في بناء استعارات أصلية: "عيون تبكي عندما يستنزفها العشق في خلوتي"،و"نفس معتق برائحة سجائرك"، و"أعصرها كما كنت تعصر التوت بحلقي"-هذه الصور ليست مجرد تشبيهات،بل هي عوالم مصغرة تختزل حكايات كاملة.كما أن استدعاءها للجمال القرطبي والشيم العربية يمنح النص بعدا حضاريا أنيقا،ويؤكد أن انتماءها الشعري يمتد من أزقة تونس العتيقة إلى قصور الأندلس.إنها شاعرة الحواس الخمس،تكتب بأناملها ودمها وليس بقلمها فقط. 

في هذا النص،تثبت جميلة عبسي أن الشعر التونسي النسائي المعاصر يمتلك أدواته الخاصة ليصنع من الألم لوحة،ومن الدخان سيمفونية،ومن السيجارة قصيدة لا تُنسى.

بهذا النص الباذخ،لا تكتب جميلة عبسي القصيدةَ فحسب،بل تؤثثُ غياب الحبيبِ كغرفة معطّرة بالدخان والياسمين.إنها ترى العالم من ثقبِ السيجارة ذاته،فتصبح الأشياء مرايا مكسورة تعكس وجهَه المتواري: عصر التوت احتضانٌ، وشمُّ الرمادِ لقاءٌ،وتبكي العيونُ حين لا تجدُ سوى مرآتها القديمة.كأنّ القصيدة كلَها ليست بحثا عن حبيب،بل عن مرآة ضاعتْ ذاتَ ليلة أندلسية، فباتت الشاعرة تلملم شظاياها من دخان كلّ سيجارة تشتعل.وهنا يكمن سرُّ جمالها الموجع: أنها لا تشي بنهاية الحب،بل تعلن بداية حبٍّ آخر،أكثر غموضا وأعمقَ جرحا،هو حبُّ الذاكرةِ التي ترفض أن تموت،وتبقى تتجرّع الغياب كأنه نسمة عطر لا ينضب.

وهكذا،حين تنطفئ آخر سيجارة في متاهة العمر، وحين يتلاشى الدخان كآخر رسالة وداع،تبقى الشاعرة وحدها مع سؤال أبدي لا يجيب عنه غير الصمت: كيف للحب أن يكون بهذا الحضور المطلق في قلب الغياب؟!

 إن "عدني.. سيجارة وضمني"ليست قصيدة رثاء للحبيب،بل هي إنجيل حب جديد كُتب بلغة الجروح التي لا تلتئم،طقس خاص من التعبد للذكرى حيث تصبح السيجارة مذبحا،والرماد بخورا،والحضن المفقود سماء كاملة لا تتسع لها إلا غرفة القلب الضيقة. 

جميلة عبسي،بهذا النص،لا تقدم عزاء للعشاق،بل تمنحهم سلاحا غريبا:الشجاعة على أن يعشقوا الغياب كما يعشقون الحضور،وأن يصرخوا في وجه الفراغ: "أنت لا تستطيع أن تمحو ما زرعته الأرواح".

 في النهاية،كلنا نبحث عن سيجارتنا التي تعيدنا إلى الحياة،عن حضن يشبه دفء أول حب،عن عيون تبكينا كما نبكيها.لكن القلة فقط من تجرأ على كتابة بحثها الأبدي بهذه الأناقة الموجعة، فخلدت بذلك حبا لم يمت،بل تحول إلى نار هادئة تشتعل تحت رماد الكلمات.

قبعتي..يا جميلة..

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤