استهداف الشرطة في غزة.. بين ضرب النظام العام وإعادة تشكيل الواقع الأمني

المركز الفلسطيني للإعلام
في مشهد يعكس تعقيدات الحرب في قطاع غزة، يتصاعد الجدل حول الاستهداف المكثف لعناصر الشرطة، في ظل مؤشرات على أنه يتجاوز كونه تطورًا ميدانيًا عابرًا إلى سياسة ممنهجة تحمل أبعادًا أمنية ومجتمعية عميقة.
وبين قراءات أمنية وسياسية، تتقاطع التحليلات عند نقطة أساسية: استهداف بنية النظام المدني كجزء من معركة أوسع على شكل القطاع في الحاضر والمستقبل.
سلوك مقصود لضرب العمود الفقري للمجتمع
وقال الخبير في الشأن الأمني رامي أبو زبيدة إن “الاستهداف المكثف للشرطة لا يمكن التعامل معه كمجرد تطور عابر في بنك الأهداف، بل هو سلوك مقصود ضمن إدارة الصراع”.
وأضاف في تصريح لمراسلنا أن “الأجهزة الشرطية في قطاع غزة، بحكم طبيعتها المدنية، تشكل العمود الفقري الذي ينظم الحياة اليومية، سواء في الأسواق أو في تأمين المساعدات أو منع الانفلات الأمني”.
وتابع أبو زبيدة أن “ضرب هذه الأجهزة لا يحقق مكسبًا عسكريًا مباشرًا بقدر ما يسعى إلى إحداث فراغ وظيفي ينعكس على المجتمع والحاضنة الشعبية”، مشيرًا إلى أن “الهدف هو إعادة إنتاج الفوضى عبر تقليص قدرة الشرطة على ضبط السلوك العام ومكافحة العملاء”.
وأكد أن “هذا النمط يهدف إلى ضرب الثقة داخل المجتمع الفلسطيني، وتثبيت حالة القلق في أبسط تفاصيل الحياة اليومية”، لافتًا إلى أن “تصاعد الاستهداف يتزامن مع كل مرة تثبت فيها الأجهزة الأمنية قدرتها على فرض النظام، ما يشير إلى محاولة منع أي بنية مدنية قادرة على التعافي”.
وختم بالقول إن “إصرار الشرطة على الاستمرار في عملها يتجاوز البعد الوظيفي، ليعكس محاولة واضحة لمنع الانزلاق نحو نموذج مجتمع مفتوح على الفوضى”.
تفكيك ممنهج وإضعاف للاستقرار الداخلي
من جهته، قال المحلل السياسي محمد شاهين إن “إسرائيل تستهدف بشكل مكثف عناصر الشرطة في غزة ضمن سياسة منهجية تهدف إلى تفكيك المنظومة الأمنية المدنية وإحداث فراغ أمني يؤدي إلى الفوضى العامة”.
وأضاف شاهين لمراسلنا أن “عدد شهداء الشرطة تجاوز 2800 عنصر منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، بينهم عناصر سقطوا حتى خلال فترات الهدنة، ما يعكس بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الاعتبارات العسكرية التكتيكية”.
وأوضح أن “هذا النهج يندرج ضمن مفهوم الحرب الشاملة ضد البنية التحتية الحاكمة، بما في ذلك المؤسسات المدنية التي تساهم في حفظ النظام العام”، معتبرًا أن “الاستهداف يمثل وسيلة مباشرة لضرب الاستقرار الداخلي ومنع تشكل إدارة مدنية فعالة”.
وأشار شاهين إلى أن “رجال الشرطة يؤدون مهام أساسية، أبرزها تأمين قوافل المساعدات وحماية مراكز التوزيع، وأن اغتيالهم يؤدي إلى تعطيل عمليات الإغاثة ويفتح المجال أمام الفوضى أو تحرك جماعات مسلحة”.
وتابع أن “هذا النمط يمثل حربًا على النظام العام تهدف إلى إضعاف الصمود الاجتماعي، وتسهيل فرض ترتيبات أمنية جديدة تتماشى مع الرؤية الإسرائيلية لمرحلة ما بعد الحرب”.
وأضاف أن “التصعيد يأتي في سياق مفاوضات تتعلق بنزع السلاح وإعادة الإعمار، حيث ترفض إسرائيل أي دور أمني لحماس أو أجهزتها، وتسعى لإضعاف قدرتها على إدارة الشؤون الداخلية”.
وأكد أن “استهداف مراكز الشرطة ومركباتها يحمل رسالة واضحة بأن أي محاولة لإعادة بناء بنية أمنية فلسطينية مستقلة ستواجه برد حازم، وهو ما يعزز التوتر ويصعّب جهود تحقيق الاستقرار”.
تنديد بالصمت الدولي
وكانت وزارة الداخليةفي غزة ، نددت باستمرار صمت المنظمات الدولية وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر على “استهداف عناصر الشرطة المدنية”، واعتبرته “تواطؤا مع الاحتلال الإسرائيلي يشجعه على ارتكاب مزيد من الجرائم بحق جهاز مدني محمي بموجب القانون الدولي”.
وأكدت الوزارة، عدم وجود أي مبرر لاستهداف عناصر الشرطة في غزة، مشددة على أن الجهاز يقدم خدماته لمواطني القطاع في مختلف جوانب الحياة.
ومنذ سريان الاتفاق، يواصل الجيش الإسرائيلي خروقاته بالقصف وإطلاق النار ما أسفر عن استشهاد 972 فلسطينيا وإصابة 2235 آخرين، وفق وزارة الصحة بالقطاع.
وجرى التوصل للاتفاق بعد سنتين من حرب إبادة جماعية، بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 بدعم أمريكي، وخلفت ما يزيد عن 72 ألف شهيد وما يزيد عن 172 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.





