إسرائيل تصعد على دمشق: الحكومة السورية تحت ضغط متزايد في الجنوب
تأتي الضربات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب سوريا في ظل مشهد إقليمي معقد، يعكس تداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية ويضع الحكومة السورية أمام تحديات مزدوجة، تتعلق بالحفاظ على سيادتها الوطنية وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، في وقت تتعرض فيه المنطقة لضغوط استراتيجية مستمرة. العمليات الأخيرة، التي استهدفت مواقع عسكرية في السويداء ودرعا، تثبت قدرة إسرائيل على فرض خطوط حمراء وإعادة ترتيب النفوذ الجغرافي والسياسي في الجنوب، لكنها تركت الحكومة السورية في موقف حساس يتطلب موازنة دقيقة بين الردع والحفاظ على سيادتها.
أهداف وتحركات على الأرض
ويؤكد الباحث والمحلل السياسي الأردني حسن جابر في تصريحات لـ”963+” أن السياسة الإسرائيلية في الجنوب السوري أصبحت واضحة تدريجياً بعد فترة من الشكوك.
ويقول جابر: “هناك عدة عوامل تحدد وجهة النظر الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتشكل أساساً لأهدافها وتحركاتها على الأرض. الهدف الأساسي للحكومة الإسرائيلية يتمثل في خلق منطقة منزوعة السلاح هشة سيادياً بالنسبة للحكومة السورية، ما يتيح لإسرائيل هامش حركة ومناورة واسع. عملياً، يعني ذلك تبرير أي تدخلات عسكرية أو ضربات جوية، إضافة إلى حرية حركة الطيران الإسرائيلية في المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بالعمليات التي قد تتجه نحو إيران، والتي غالباً ما تمر عبر الأجواء السورية”.
اقرأ أيضاً: توتّر على الحدود الجنوبية: الجيش الإسرائيلي يتوغل مجدداً في ريف القنيطرة – 963+
ويضيف جابر أن إسرائيل تسعى أيضاً إلى إبقاء نقاط ضعف محتملة في الجنوب السوري كوسيلة ضغط محتملة في أي مفاوضات مستقبلية، لافتاً إلى أن هذا التوجه يأتي في وقت بدأت فيه الحكومة السورية تعزيز سيطرتها وتحقيق تحسن نسبي في الوضع الداخلي، خاصة بعد تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، والتي بدأت تؤتي ثمارها تدريجياً.
ويشير جابر إلى أن إسرائيل تسعى لأن تكون هي كلمة الفصل في مستقبل الجنوب السوري، وقال: “الحكومة الإسرائيلية تحتفظ بحقها في السيطرة على المناطق الحساسة، بما فيها الجولان والمرتفعات الاستراتيجية ومصادر المياه شمال وشمال شرق الجولان، رافضة أي نقاش أو إعادة تفاوض حولها، بخلاف ما تطالب به دمشق”.
ويضيف: “السياسة الإسرائيلية في المنطقة لا تركز فقط على الأرض، بل تشمل أيضاً السردية الإعلامية والسياسية، حيث تسعى إسرائيل إلى إبراز قدرتها على التحرك في جبهات متعددة في الوقت نفسه، كما ظهر بوضوح بعد صدمة السابع من أكتوبر، والتي اعتبرها حدثاً استراتيجياً وأمنياً أعاد تعريف الاستنفار في إسرائيل”.
ويتابع جابر: “التحركات الإسرائيلية الأخيرة تمثل قطعة من فسيفساء كبيرة تهدف إلى الحفاظ على اليد العليا مقابل الحكومة السورية، مستغلة نقاط الضعف الاستراتيجية بما فيها إمكانية الضغط على بعض المكونات المحلية، كجزء من الحسابات الجيوسياسية المعقدة في المنطقة. هذا المنطق يعكس رغبة إسرائيل في أن يكون أي تفاوض مستقبلي على الجنوب السوري بشروط إسرائيلية، مع مراعاة مصالحها الأمنية والجيواستراتيجية، وليس بالشروط التي قد تقترحها دمشق”.
ويؤكد جابر أن مستقبل التفاوض مع الحكومة السورية يعتمد على الحفاظ على منطق الدولة وعدم تقديم تنازلات غير محسوبة، مع متابعة المتغيرات الإسرائيلية، مضيفاً: “استمرار هذه السياسة يحتاج إلى متابعة دقيقة للمتغيرات الإسرائيلية الداخلية، واحتمالية تغير النهج أو الانفتاح على تسوية تتوافق مع مصالح الحكومة السورية، رغم أن ميزان القوى حالياً يميل لصالح إسرائيل باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على تغيير الوقائع على الأرض”.
ويختم جابر بالقول: “السياسة الإسرائيلية والتحركات الأخيرة في الجنوب السوري تمثل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد، ترتكز على إبقاء النقاط الاستراتيجية الحساسة كوسيلة ضغط، مع الالتزام بسردية متعددة الجبهات وقدرة التحرك في أكثر من اتجاه، في حين تحتاج الحكومة السورية إلى الاستمرار في حماية سيادتها والحفاظ على التوازن، لتجنب الانزلاق إلى صراعات أوسع وتهيئة الأرضية لتسوية سلمية مستقبلية”.
اقرأ أيضاً: توغل إسرائيلي في ريف القنيطرة وقوة عسكرية تتمركز قرب سد رويحينة – 963+
مساحة أمنية ضاغطة
من جهته، يرى الباحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي عمرو فاروق في تصريحات لـ”963+” أن الضربات الإسرائيلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن التوازنات الإقليمية الأوسع، مؤكداً أن هذه التحركات تعكس إرادة إسرائيلية للحفاظ على مساحة أمنية ضاغطة على الحكومة السورية، في وقت تستمر فيه تركيا والولايات المتحدة في تعزيز نفوذها في الشمال والشرق.
ويقول فاروق: “التداخل بين التصعيد العسكري الخارجي وإعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي، في ظل استمرار الضربات التي تنفذها إسرائيل داخل العمق السوري، بالتوازي مع توسع أدوار كل من تركيا في الشمال، والولايات المتحدة في الشرق، يعكس مشهداً مركباً يفرض على سوريا تحديات مزدوجة، تتعلق بإدارة التوازنات الخارجية، وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية في آنٍ واحد”.
ويضيف فاروق: “لا يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي بمعزل عن منع ترسخ النفوذ الإيراني داخل سوريا، في ظل رغبة تل أبيب في إبقاء المجال السوري في حالة من السيولة الأمنية التي تحول دون تحوله إلى منصة إقليمية تهدد مصالحها”.
ويشير إلى أن هناك تقاسماً غير معلن على المستوى السياسي والجغرافي للنفوذ التركي والأمريكي، قائلاً: “في الشمال، تعمل تركيا على تثبيت مناطق نفوذها عبر أدوات أمنية وإدارية، مدفوعة بهاجسها المرتبط بالملف الكردي، ورغبتها في إعادة تشكيل التوازنات الحدودية، بينما في الشرق، تواصل الولايات المتحدة ترسيخ حضورها عبر دعم قوى محلية والسيطرة على مناطق ذات أهمية استراتيجية، سواء من حيث الموارد أو الموقع الجغرافي”.
اقرأ أيضاً: دول عربية وإسلامية تدين الغارات الإسرائيلية على سوريا وتدعو المجتمع الدولي للتدخل – 963+
ويؤكد فاروق أن هذا التداخل بين الضغوط العسكرية الإسرائيلية والتوسع التركي والأمريكي، أسهم في تقليص هامش المناورة أمام دمشق، ويقول: “الحكومة السورية باتت تميل إلى تقديم استراتيجية ‘إدارة الواقع القائم’، تقوم تدريجياً على استراتيجية ‘استعادة السيطرة الكاملة’ في إطار من البرجماتية التي تمنحها تثبيت الاستقرار الداخلي، وتجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة مع القوى الخارجية، خاصة في ظل الهشاشة الاقتصادية، واستمرار الانقسام الجغرافي، وتعدد مراكز النفوذ داخل الدولة”.
ويضيف: “الضربات الإسرائيلية المتكررة قد تفرض تحديات تتعلق بصورة الدولة ووظيفتها كضامن أمني، ما ينعكس بشكل خاص على العلاقة مع المكونات المحلية، إذ قد تدفع بعض المكونات إلى البحث عن صيغ أكثر استقلالية في إدارة شؤونها وتعزيز ثقافة الانفصال الإداري والسياسي”.
وبالتالي، يعكس التصعيد الإسرائيلي الأخير محاولات تل أبيب لإعادة ترتيب النفوذ في جنوب سوريا، مع إبقاء الحكومة السورية تحت ضغط مستمر، وإمكانية استخدام نقاط ضعف استراتيجية، بما فيها المجتمع المحلي كورقة ضغط، دون أن يكون هذا التركيز الأساسي، بينما تسعى دمشق للحفاظ على سيادتها واستقرارها الداخلي وتحقيق توازن دقيق في مواجهة القوى الإقليمية والدولية المتشابكة في الساحة السورية.
The post إسرائيل تصعد على دمشق: الحكومة السورية تحت ضغط متزايد في الجنوب appeared first on 963+.





