كما أن انخراط الولايات المتحدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يمنح إسرائيل هامش حركة أوسع، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول حدود هذا الدعم، وما إذا كان سيتحول إلى عامل كبح في مراحل لاحقة من الحرب، خصوصا إذا تم التوصل إلى هدنة بين الولايات المتحدة وإيران تشمل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد "حزب الله". وفي هذا الإطار، تبدو إسرائيل معنية باستباق أي ضغوط سياسية محتملة عبر تحقيق إنجازات ميدانية تُترجم إلى وقائع يصعب التراجع عنها في أي تسوية قادمة.
غير أن هذا المسار لا يخلو من مخاطر استراتيجية؛ إذ إن تحويل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة أو شبه خالية من الوجود العسكري لـ"حزب الله" لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد، بل قد يفتح الباب أمام أنماط جديدة من المواجهة، أو إعادة إنتاج قوى مسلحة بديلة، أو زيادة مدى الصواريخ. ومع ذلك، يبدو أن المزاج السائد داخل إسرائيل يميل إلى تفضيل المخاطرة المحسوبة على العودة إلى معادلات يعتبرها فاشلة.
وفي هذا السياق يقول جاك نيريا، المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي لـ"المجلة" إنه بحسب الرؤية الإسرائيلية، تُعد جبهة إيران ولبنان جبهة واحدة، إذ يُنظر إلى "حزب الله" باعتباره جزءا من منظومة "الحرس الثوري" الإيراني، في حين يتولى ضباط إيرانيون قيادة العمل العسكري لـ"الحزب" حاليا، وتُدار معركته مع إسرائيل فعليا من قبل طهران. وفي حال توقفت الحرب وبقي "حزب الله" قائما، فإن لبنان مرشح لتحول عميق، إذ سيحتكر "الحزب" السيادة اللبنانية، مع تزايد جرأته وإظهاره العلني لارتباطه بإيران أكثر من ارتباطه بالدولة اللبنانية.
وترى إسرائيل أن إنهاء الوجود العسكري لـ"حزب الله" شرط أساسي لمنح الحكومة اللبنانية هامش حركة يتيح لها بدء مفاوضات مع إسرائيل والتوصل إلى ترتيبات أمنية بين البلدين.

ويضيف نيريا أن الحكومة اللبنانية الحالية ضعيفة وتفتقر إلى الإرادة والقدرة على تنفيذ قراراتها، فيما يحجم الجيش اللبناني عن ترجمة هذه القرارات على الأرض، إدراكا لحساسية تركيبته الطائفية، ولا سيما أن نسبة كبيرة من عناصره تنتمي إلى الطائفة الشيعية، ما قد يعرضه للانقسام في حال مواجهته "حزب الله" في الجنوب.
ويقول إن "حكومة لبنان الحالية فاشلة وضعيفة، ولا توجد لديها إرادة ولا وسيلة لتطبيقها، والجيش اللبناني يرفض أن يترجم قراراتها على الأرض، لأن قائد الجيش رودلف يدرك أنه إذا استخدم الجيش ضد "حزب الله" في الجنوب، فإن الجيش، الذي يشكل الشيعة نسبة 60 في المئة من مكوناته، سينهار".
وخلال العام ونصف العام الماضيين، يشير نيريا إلى أن بعض ضباط الاستخبارات في الجيش اللبناني كانوا يطلعون "حزب الله" على المجريات داخل المؤسسة العسكرية، بما في ذلك القرارات المتعلقة به، لافتا إلى وجود تنسيق بين قيادات في "الحزب" والجيش لترتيب انتشار رمزي ومحدود لقوات الجيش اللبناني في الجنوب، مقابل التغاضي عن الوجود العسكري لـ"الحزب".
وفيما يتعلق بالخيارات الإسرائيلية، يرى نيريا أن إنشاء حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية بات ضرورة لحماية شمال إسرائيل، رغم إدراك تل أبيب لاحتمال ظهور قوى مسلحة جديدة، ويؤكد أن استمرار إطلاق النار من جنوب لبنان، رغم وجود الجيش الإسرائيلي ميدانيا، يعزز القناعة بضرورة حسم المعركة عسكريا، تمهيدا لفرض ترتيبات أمنية شبيهة بتلك التي أُقرت مع سوريا عام 1974 ومصر عام 1979، بما يشمل جعل المنطقة حتى نهر الليطاني منزوعة السلاح. ويتابع: "إن على إسرائيل إنشاء حزام أمني جديد على حدودنا الشمالية داخل لبنان لأنه لا حل إلا بالتخلص من وجود وتهديد (حزب الله) لسكان شمال إسرائيل. لكن إسرائيل تدرك أنه قد ينشأ (حزب الله) جديد يقاتل إسرائيل في تلك المنطقة. وبينما يوجد حاليا الجيش الإسرائيلي داخل لبنان، فإن القصف على البلدات الإسرائيلية من قبل (حزب الله) لم يتوقف. لذلك، يجب أن نهزم (حزب الله) عسكريا حتى نتمكن من التوصل إلى مفاوضات مع حكومة لبنان، وأن نقسم البلاد كما قسمناها مع سوريا عام 1974 ومع مصر عام 1979، بحيث تكون منطقة من نهر الليطاني منزوعة السلاح ومنطقة فيها شرطة مدنية من منطقة الليطاني حتى بيروت، وشمال بيروت جيش مظلل مكون من فرقة عسكرية واحدة فقط".







