إسلام آباد بين واشنطن وطهران: تفاوض بلا اتّفاق وصراع يُدار على حافّة مضيق هرمز
تشير اللقاءات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد يوم الحادي عشر من نيسان/ أبريل 2026 إلى تحوّل لافت في طبيعة إدارة الصراع بين الطرفين. لم تعد المسألة مرتبطة بمفاوضات تقليدية تهدف إلى اتفاق شامل، بقدر ما أصبحت محاولة دقيقة لإعادة ضبط التوازنات، واختبار النيات ضمن ما يمكن وصفه بديبلوماسية الظل.
رسائل أساسية
اختيار إسلام آباد لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس رغبة مشتركة في تخفيف حساسية المشهد التفاوضي، وخلق مساحة مرنة بعيداً عن ضغوط الإعلام والسياسة. هنا، لا تُبحث الحلول النهائية، بل تُرسم الخطوط الحمراء، ويُعاد تعريف سقف التصعيد المقبول. يوم واحد من المحادثات كان كافياً لإيصال الرسائل الأساسية: لا أحد مستعد للحرب، لكن لا أحد مستعد أيضاً للتنازل.
في جوهر هذه اللقاءات، يبدو أن الطرفين يدركان أن كلفة المواجهة المباشرة أصبحت أعلى من أي وقت مضى. واشنطن، المنشغلة بملفات دولية متعددة، تميل إلى إدارة التوتر بدل حسمه، بينما تسعى طهران إلى كسر العزلة الاقتصادية دون تقديم تنازلات تمس جوهر قوتها، سواء في برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي. النتيجة هي معادلة دقيقة: تفاوض بلا ثقة، وتهدئة بلا اتفاق.
ليس مجرد ممر
يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فهو ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة ضغط جيوسياسية يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى نقطة اشتعال. أي تعثر في المسار التفاوضي قد ينعكس سريعاً على أمن الملاحة، سواء عبر رسائل ميدانية محدودة أو استعراضات قوة محسوبة، ترفع منسوب التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في هذا السياق، يبرز خيار التصعيد الأميركي، خاصة في ظل خطاب ترامب الذي لا يستبعد أدوات أكثر حدة مثل تشديد الحصار البحري. إلا أن هذا الخيار، رغم قوته، يبقى محفوفاً بمخاطر كبيرة، إذ قد يدفع إيران إلى الرد عبر أدوات غير مباشرة، من خلال شبكة حلفائها في المنطقة، ما يفتح الباب أمام تصعيد متعدد الجبهات يصعب احتواؤه.
أوروبياً، يبدو الموقف أكثر ميلاً إلى دعم المسار الديبلوماسي، وإن بقدرة تأثير محدودة. فدول أوروبا تدرك أن الاستقرار في الخليج ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للانخراط في مواجهة مفتوحة.
ما نشهده اليوم ليس بداية حل، بل إعادة إنتاج لنمط إدارة الصراع. لا حرب شاملة تلوح في الأفق، ولا سلام حقيقياً يقترب. إنها حالة استقرار غير مستقر، حيث تتعايش قنوات التفاوض مع أدوات الضغط، وتبقى المنطقة، خصوصاً عند مضيق هرمز، على حافة تصعيد يمكن أن يندلع في أي لحظة، أو يُؤجل إلى إشعار آخر.
* باحث في الأمن الدولي والإرهاب




