"اشكون كان يقول" .. مساحات رمادية مشوقة وتمطيط يلتهم روح الحكاية
يُعَدّ مسلسل “اشكون كان يقول” من بين الأعمال التلفزيونية التي توفرت فيها شروط مقبولة في صياغة الحكاية؛ ذلك أن المسلسل لم يبدأ من فراغ، ولم يبن عالَمه على مجرد تجميع اعتباطي لشخصيات تتقاطع في الصدفة، بل انطلق من جريمة تتشعب منها الأسرار، وتتشابك حولها المصالح، وتتكشف من خلالها طبقات من العنف العائلي والاجتماعي والمالي. لذلك، فإن القراءة هنا لن تنصرف إلى الجوانب الإخراجية والتقنية، وإن كانت بدورها في حاجة إلى وقفة مستقلة، بل ستنصب أساسًا على الكتابة الدرامية، وعلى ما أنجزته الحلقات الثلاثون من بناء، وما أفسدته أيضًا من داخل هذا البناء نفسه.
منذ الحلقات الأولى، بدا أن المسلسل يملك نواة درامية قوية: موت عامر ليس حدثًا عابرًا، بل مدخل إلى شبكة كاملة من العلاقات المسمومة. الأب هنا ليس مجرد ضحية؛ إنه أيضًا مصدر خراب قديم. والأبناء والزوجات والمحيطون به لا يتحركون داخل عالم صافٍ، بل داخل مساحات رمادية يتداخل فيها الخوف بالطمع، والرغبة بالانتقام، والحب بالمصلحة، والصمت بالرغبة في النجاة. وهذه نقطة قوة حقيقية في المسلسل، لأن كثيرًا من الأعمال تقع في تبسيط أخلاقي يوزع الشخصيات بين أخيار وأشرار، بينما نجح هذا العمل، في جانب غير يسير منه، في جعل الشخصيات ملتبسة وقابلة لإعادة القراءة.
لقد أفاد المسلسل كثيرًا من هذا الالتباس. فمروة ليست شخصية بريئة تمامًا ولا شريرة تمامًا. هي امرأة جريحة، مندفعة، راغبة في التملك وفي النجاة معًا. وأسماء ليست مجرد فنانة مستهدفة، بل ذات حضور مركب، تعرف كيف تتحرك داخل المجال الفني، وتتعرض في الوقت نفسه للابتزاز والتشهير والاستغلال. وسناء من أكثر الشخصيات التي حملت كثافة وجدانية واضحة، لأنها جمعت بين الهشاشة والموهبة والخذلان والمرض. وهيثم بدوره لم يكتب على نحو أحادي، بل ظل معلقًا بين صورة الابن المشتبه فيه وصورة الشاب المخلوع من عالم شديد القسوة. حتى عامر نفسه، رغم موته المبكر، ظل حاضرًا بوصفه مركز السم الذي تصدر عنه معظم الشروخ.
ومن هنا، فإن من أبرز حسنات المسلسل أنه لم يجعل الجريمة وحدها موضوعه، بل جعلها بوابة إلى عوالم أخرى: الربا، المال الأسود، الابتزاز، هشاشة النساء، أثر العائلة على المصير، العنف الرمزي داخل البيت، وعلاقات السلطة داخل الفضاء الاجتماعي. كما أنه أحسن، في لحظات متعددة، استعمال فكرة التأجيل: كل حلقة تضيف معلومة، وكل شخصية تفتح منفذًا، وكل سر لا يُكشف دفعة واحدة. وهذا ما منح الحلقات الأولى، والحلقات الوسطى أيضًا في بعض مراحلها، قدرًا معقولًا من التشويق.
غير أن هذه القوة نفسها بدأت تضعف كلما تقدم المسلسل. وأول أعطابه الكبرى هو أن الكتابة صارت أكثر خضوعًا لإكراه الثلاثين حلقة من خضوعها لمنطق التطور الدرامي. فبدل أن تتمدد الحكاية لأن داخلها ما يستحق التمدد، صار التمدد يفرض عليها من الخارج. ولذلك كثرت المشاهد التي لا تدفع الحدث فعلًا، بل تؤجله. وكثرت الحوارات التي تعيد المعنى نفسه بصيغ متعددة. وكثرت المواجهات التي كان يكفي فيها مشهد واحد، فإذا بها تتوزع على مشهدين أو ثلاثة. وفي هذا الموضع بالذات ظهر التمطيط لا بوصفه إيقاعًا بطيئًا محسوبًا، بل بوصفه حشوًا دراميًا.
هذا التمطيط لم يكن زمنيًا فقط، بل كان أيضًا أخلاقيًا. فقد أخذت بعض الخطوط في الحلقات المتأخرة تشتغل على إثارة الفضائح والتشهير والعلاقات المتوترة داخل المجال الفني والعائلي أكثر مما تشتغل على التوتر الدرامي نفسه. وصارت بعض القضايا تُستحضر لأن فيها مادة للفضيحة أو للصراخ أو للوعظ، لا لأن منطق الحكاية يفرضها. وهنا تضرر العمل، لأن المساحات الرمادية التي كانت في البداية مساحة للتعقيد الإنساني، بدأت تتحول أحيانًا إلى فضاء للمبالغة والانفعال المكرر.
ومن أضعف خيوط المسلسل، في تقديري، خيط الضابط والتحقيق الجنائي. هذه هي الثغرة الأكبر في العمل كله. ليس لأن حضور الضابط غير مهم، بل لأن الحكاية وضعت بين يديه ملفًا يفترض قدرًا أكبر من الصرامة والبحث والربط والاستقصاء، ثم جعلته في الواقع يتحرك في الغالب من الشخصيات لا من البحث. أغلب ما يعرفه الضابط يأتيه من اعترافات، أو من وشايات، أو من مصادفات، أو من دلائل يحملها إليه الآخرون. لا يكاد التحقيق يفتح بنفسه خطوط حياة عامر كما كان ينبغي: ماضيه المالي، دوائر تسليفه، ضحاياه، خصوماته، تنقلاته، شبكة مصالحه، علاقته بالنساء، وتفاصيل صراعاته. كان هذا كله ضروريًا لفك لغز الجريمة، لكنه بقي غالبًا في موقع ما يُقال لا ما يُبحث فيه.
ومن هنا، بدا الضابط، في كثير من الحلقات، أقرب إلى منظومة ضبط اجتماعي منه إلى باحث جنائي فعلي. فهو يتكلم بوصفه ممثلًا للقانون، ويمارس أحيانًا لغة أخلاقية وأبوية، وتظهر له مساحة في البيت ومع الابن، ويُقدَّم باعتباره صاحب رسالة وضمير. وهذا في ذاته ليس خطأ، بل يمكن أن يكون ذا معنى. غير أن المشكلة أن هذا البعد الرمزي جاء على حساب المصداقية المهنية. فبدل أن يتجسد الضابط في التحقيق، في بناء الفرضيات، في مراجعة المسارات، في التدقيق في التناقضات، في احترام الإجراءات، وفي تحويل الشك إلى قرائن متماسكة، صار كثير الحضور في الكلام، قليل الحضور في الفعل التحقيقي المقنع.
بل إن بعض المنعطفات جعلت التحقيق يبدو قائمًا على الإيهام أكثر من الدليل. اتهام عثمان مثلًا بُني زمنًا طويلًا على ضغط نفسي وشبه قرائن، ثم ظهر أن الضابط نفسه كان يعتمد الشك أكثر مما يعتمد الدليل القاطع. والأمر نفسه، بطريقة أخرى، وقع مع إدريس في قضية الدم على القميص، حيث تم تصعيد الاشتباه ثم أُخرج الرجل من التهمة بسهولة عندما تبين أن الدم دم حيوان. ليس الخطأ في سقوط الاشتباه، فهذا ممكن، بل في الطريقة التي بُني بها الاشتباه أصلًا، وكأن الكتابة تريد أن تستبقي التوتر بأي ثمن ولو على حساب منطق الإجراءات.
وتزداد هذه المشكلة حين ننتبه إلى أن أشياء كثيرة حاسمة في الحبكة ظهرت عن طريق المصادفة. العثور على هاتف عامر ومفتاحه داخل آنية خزفية لم يكن، إلى حدود ظهوره، مقنعًا دراميًا بما يكفي. وظهور بعض الأدلة كان يتم فجأة، أو في توقيت مناسب جدًا، أو على يد شخصية لم تكن تبحث بمنهج واضح بل تصادف شيئًا يقلب المسار. وهذا النوع من الحلول قد يفيد مرة أو مرتين، لكنه حين يتكرر يضعف الحكاية، لأنه ينقلها من منطق الاكتشاف إلى منطق التيسير.
في جانب الشخصيات، يظل المسلسل متفاوتًا. لقد منح لبعضها مسارًا واضحًا ومؤثرًا، لكنه أضعف بعضها الآخر إما بالتكرار أو بالقفز أو بالمبالغة. مروة مثلًا شخصية قوية من حيث الطاقة الدرامية، لكن تحولها في المراحل الأخيرة إلى امرأة أكثر عنفًا واندفاعًا وقع أحيانًا بسرعة أكبر من اللازم، وكأن الكتابة تريد دفعها دفعًا إلى منطقة الانفجار. قد يكون لذلك ما يبرره نفسيًا، لكن التدرج لم يكن دائمًا كافيًا. وأسماء عرفت بدورها تحولات مهمة، منها انتقالها من موقع المتضررة والمستعملة إلى موقع أكثر فعالية، خاصة حين تدخلت في خط الدفاع عن عثمان أو حين عادت إلى سناء في النهاية. غير أن هذا التحول نفسه كان يحتاج في بعض محطاته إلى ترسيخ أقوى كي لا يبدو مجرد انعطاف وظيفي.
أما سناء، فهي من الشخصيات التي حملت العبء العاطفي الأكبر في المسلسل، لكن خط مرضها عانى من بعض الاضطراب في البناء. كان المرض حاضرًا، مؤثرًا، ومؤسسًا لحالة من الهشاشة الحقيقية، لكن طريقة تقديمه لم تكن دائمًا مضبوطة. في لحظات بدا الأمر شديد الخطورة، وفي لحظات أخرى عاد إلى منطقة قابلة للتجاوز السريع، ثم عاد من جديد بوصفه تهديدًا نهائيًا. وهذا التذبذب جعل الخط أحيانًا أقرب إلى أداة لتكثيف الشفقة منه إلى مسار طبي ونفسي مبني بدقة.
ومن الملاحظات الأساسية التي لا ينبغي تجاوزها في هذه القراءة، أن المسلسل لم يحسن التعامل مع خلفية مروة وأسماء وسناء بوصفهن بنات الخيرية. لقد ورد هذا المعطى مرارًا، لكنه استُعمل في كثير من الأحيان بوصفه علامة تبخيس أكثر منه معطى اجتماعيًا مركبًا. كأن المسلسل، أو بعض شخصياته على الأقل دون أن يضع بينها وبين الخطاب مسافة نقدية كافية، ينظر إلى هذه الخلفية باعتبارها وصمة تستمر مع الفتيات حتى بعد خروجهن من المؤسسة. وهذا معيب، لأن الحكاية لم تمنحنا تاريخًا واضحًا لخروجهن من الخيرية، ولا طبيعة السنوات التي عشنها بعدها، ولا كيف أعيد تشكل ذواتهن اجتماعيًا وثقافيًا ولغويًا.
وهنا تظهر ملاحظة أخرى دقيقة: المسلسل سكت عن المدة الزمنية التي فصلت بين خروج الأختين من الخيرية وبين بداية الأحداث. وهذا التغييب لم يكن تفصيلًا ثانويًا، لأنه يربك المعقولية الاجتماعية للشخصيتين. فإذا كانت سناء وأسماء قد عاشتا زمنًا معتبرًا في الدار البيضاء، وداخل فضاء لغوي مختلف، وبعد سنوات من الاختلاط والعمل، فكيف ظلتا تتكلمان بلغة شمالية صافية على هذا النحو؟ وإذا كانتا قد دخلتا الخيرية في سن متأخرة بحيث استقر فيهما اللسان الأصلي، فكان ينبغي أن يوضح المسلسل ذلك. أما أن يبقى الأمر معلقًا، فهذه ثغرة في التأسيس الاجتماعي واللغوي للشخصيتين.
وتتصل بهذه الملاحظة مسألة الإشارات الجغرافية التي مرت في العمل من قبيل زاكورة والراشيدية وغيرها. هذه الإشارات حضرت، لكنها غالبًا لم تتحول إلى عناصر درامية حقيقية. لم تبنِ فضاءً، ولم تنتج أثرًا، ولم تغير مسار الحدث. بدت أحيانًا وكأنها مجرد أسماء ملقاة داخل الحوار لتوسيع العالم، لكنها لم تُستثمر. وهذا أيضًا من علامات الكتابة التي تستدعي المعطى ثم لا تفعل به شيئًا.
في ما يخص الخاتمة، اختار المسلسل أن يجعل نورة القاتلة الفعلية. ومن حيث المبدأ، هذا الحل ليس ضعيفًا، بل يحمل بعدًا تراجيديًا مناسبًا، لأن القاتلة هنا ليست شريرة بالمفهوم البسيط، بل امرأة مدمرة نفسيًا وجسديًا، لها ماضٍ مع العنف، وتأتي جريمتها من منطقة الانكسار والثأر والخوف والاختلال. بهذه الزاوية، يمكن فهم النهاية بوصفها إغلاقًا لماضٍ سميك من القهر لا مجرد كشف بوليسي. غير أن المشكلة أن هذه النهاية لم تستفد كما ينبغي من تحقيق قوي يقود إليها، بل جاءت بعد مسار طويل من الترددات والاتهامات المتنقلة والالتفافات. لذلك، كان وقعها أقرب إلى الحسم العاطفي منه إلى الانكشاف الذكي الذي يعيد قراءة كل ما سبق.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تحجب هذه الأعطاب ما أنجزه المسلسل فعلًا. فقد استطاع، رغم كل شيء، أن يخلق علاقة متابعة حقيقية، وأن يوزع مراكز الاهتمام على أكثر من خيط، وأن يمنح بعض الشخصيات ملامح لا تُنسى بسهولة، وأن يحافظ في مراحل كثيرة على فضول المشاهد. كما أن ختام بعض المسارات، مثل رد الاعتبار لسناء بوصفها صاحبة الكلمات، أو إعادة الاعتراف بها داخل الجماعة العاطفية، كان ذا دلالة رمزية واضحة. ففي هذا الخيط خصوصًا بدا المسلسل كأنه يريد أن ينتصر، ولو متأخرًا، للموهبة المسكوت عنها، ولمن أعطت للآخرين ما لم يعترفوا به إلا في النهاية.
لهذا يمكن القول إن «اشكون كان يقول» مسلسل يمتلك حكاية أقوى من هندسة تنفيذها الطويل. قوته الأساسية في أنه بنى عالمًا فيه أسرار وطبقات وجرح اجتماعي حقيقي. وضعفه الأساسي في أنه كلما تقدم في الحلقات ازداد خضوعًا للتمطيط، وازداد اعتمادًا على المصادفات والإيهام والوعظ والانفعال، وتراجع فيه منطق التحقيق لصالح ما تقوله الشخصيات عن نفسها وعن غيرها. هو مسلسل نجح في أن يكون مثيرًا للاهتمام، لكنه لم ينجح دائمًا في أن يكون محكمًا. ونجح في أن يفتح ملفات شائكة، لكنه لم ينجح دائمًا في أن يمنحها المعالجة الدرامية الأكثر صلابة.
والخلاصة أن العمل، إذا أُخذ في مجموعه، يبقى من الأعمال التي تستحق القراءة، لا لأنه بلا عيوب، بل لأن عيوبه نفسها كاشفة. فهو يقدم مثالًا واضحًا على الفرق بين امتلاك حكاية جيدة وامتلاك بناء درامي منضبط. ويمثل أيضًا كيف يمكن للمسلسل أن يربح كثيرًا من فكرة المساحات الرمادية، ثم يخسر بعض هذا الربح حين يطيل الخطوط أكثر مما تحتمل، أو حين يترك البحث الجنائي وراء الشخصيات بدل أن يجعله قوة تكشفها. إنه عمل فيه حسنات كثيرة، لكنه عمل كان يمكن أن يكون أقوى بكثير لو تحرر من ضغط العدد، وأُعيد ضبط منطق التحقيق، ووُضع العالم الاجتماعي للشخصيات، وخاصة النساء الخارجات من الخيرية، على أساس أكثر دقة وعدلًا.
The post "اشكون كان يقول" .. مساحات رمادية مشوقة وتمطيط يلتهم روح الحكاية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
