أرقام صادمة تكشف عمق الأزمة الاجتماعية: المغاربة بين غلاء المعيشة وتشاؤم متزايد
تعكس نتائج البحث الأخير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط صورة مقلقة عن الوضع الاجتماعي في المغرب، حيث يتزايد إحساس الأسر بتدهور مستوى المعيشة في ظل موجة غلاء مستمرة وضبابية في الأفق الاقتصادي. الأرقام لا تترك مجالًا كبيرًا للتأويل، بل ترسم ملامح واقع يومي يزداد صعوبة بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين.
أكثر من ثلاثة أرباع الأسر المغربية، بنسبة بلغت 75,1%، صرحت بأن مستوى معيشتها عرف تراجعًا خلال السنة الماضية، وهو مؤشر يعكس حجم الضغط الذي تواجهه القدرة الشرائية. في المقابل، تبقى نسبة الأسر التي لم تلمس أي تغيير أو سجلت تحسنًا محدودة للغاية، ما يعزز الشعور العام بأن الأزمة ليست ظرفية بل تمتد بشكل أعمق في البنية الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يتوقف الأمر عند الحاضر، بل يمتد إلى نظرة قاتمة نحو المستقبل، حيث تتوقع نسبة كبيرة من الأسر استمرار هذا التدهور خلال الأشهر المقبلة. هذا التشاؤم يعكس فقدان الثقة في تحسن الأوضاع على المدى القريب، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد المخاوف المرتبطة بسوق الشغل.
وفي ما يخص البطالة، تبدو التوقعات أكثر قتامة، إذ ترجح غالبية الأسر ارتفاعها خلال السنة المقبلة، وهو ما يعمق الإحساس بعدم الاستقرار الاقتصادي. كما أن الإحجام عن اقتناء السلع المستديمة، الذي عبرت عنه نسبة 66,9% من الأسر، يعكس حالة من الحذر الشديد وتراجع الاستهلاك، وهو بدوره مؤشر سلبي على دينامية الاقتصاد الداخلي.
أما على مستوى التوازنات المالية للأسر، فالصورة لا تقل قسوة؛ إذ أن نسبة كبيرة من الأسر تجد نفسها مضطرة لاستنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها اليومية، في حين تظل القدرة على الادخار شبه منعدمة. هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول هشاشة الطبقة المتوسطة واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية.
ويظل غلاء المواد الغذائية العنوان الأبرز للأزمة، حيث تكاد الأسر تُجمع على تسجيل ارتفاع أسعارها خلال السنة الماضية، مع توقع استمرار هذا المنحى التصاعدي. وهو ما يضع الأمن الغذائي للأسر على المحك، خاصة بالنسبة للفئات ذات الدخل المحدود.
هذه المؤشرات مجتمعة تعكس تحديًا كبيرًا أمام السياسات العمومية، التي تجد نفسها مطالبة بإيجاد حلول ملموسة تعيد التوازن للقدرة الشرائية، وتحد من تداعيات التضخم، وتعيد الثقة للأسر في المستقبل. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بأرقام وإحصائيات، بل بواقع يومي يفرض نفسه بإلحاح على طاولة القرار.





