... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
118511 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9458 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

إرهاب قانوني

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/06 - 17:37 501 مشاهدة


محمد علوش
حين يتحول “القانون” من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لتبرير القتل، فإننا لا نكون أمام منظومة قضائية، بل أمام شكل جديد من أشكال الإرهاب المنظم؛ إرهاب يرتدي عباءة التشريع، ويتحدث بلغة المحاكم، لكنه في جوهره لا يختلف عن أي ممارسة قمعية تقوم على نزع إنسانية الضحية وتبرير استهدافها.
وفي هذا السياق، يأتي ما يسمى بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليشكل نموذجًا واضحًا لما يمكن وصفه بـ “الإرهاب القانوني”، حيث يجري توظيف النصوص والتشريعات لخدمة أهداف سياسية انتقامية، في محاولة لإضفاء شرعية شكلية على سياسات القمع، وتحويل الجريمة من فعل مدان إلى إجراء “قانوني” ضمن منظومة الاحتلال الفاشية الغاشمة.
إن هذا التوجه لا يعكس قوة دولة الاحتلال بقدر ما يكشف عمق أزمتها الأخلاقية والسياسية؛ فالأنظمة الواثقة من عدالتها لا تحتاج إلى سنِّ قوانين استثنائية لتصفية خصومها، ولا تلجأ إلى توسيع دائرة العقوبات القصوى لإثبات سيطرتها، أما حين يصبح الإعدام أداة سياسية، فإن ذلك يعني أن منطق القوة قد تغلَّب على منطق القانون.
لقد كان الأسير الفلسطيني، عبر تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، عنوانًا لمعنى الصمود، وشاهدًا حيًّا على كلفة الحرية، ولم تستطع المعتقلات والسجون، على قسوتها، أن تحوِّل الأسرى إلى مجرد أرقام، لأنهم ظلوا يمثلون، في الوعي الجمعي الفلسطيني، رمزًا للنضال المشروع ضد الاحتلال، ومن هنا، فإن استهدافهم بهذه التشريعات لا يستهدف أشخاصهم فقط، بل يستهدف أيضًا رمزية القضية التي يحملونها.
إن محاولة شرعنة إعدام الأسرى تمثل خرقًا فاضحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي وضع لحماية الإنسان في زمن الصراع، لا لتوفير غطاء قانوني لتصفيته، كما أنها تتناقض مع أبسط القواعد التي تحكم منظومة العدالة، القائمة على ضمان المحاكمة العادلة، ورفض العقوبات ذات الطابع الانتقامي أو التمييزي.
غير أن الأخطر من نص “القانون” نفسه هو ما يحمله من دلالات سياسية، إذ يعكس انتقال حكومة الاحتلال نحو مزيد من التطرف، في ظل صعود تيارات تسعى إلى تكريس منطق الردع الدموي بدلًا من معالجة جذور الصراع؛ وهو ما ينذر بمزيد من التوتر، ويؤكد أن غياب الأفق السياسي يدفع نحو سياسات أكثر قسوة وإجرامًا، لكنها في الوقت ذاته أقل قدرة على تحقيق الاستقرار.
في المقابل، تضع هذه التحديات على عاتق الفلسطينيين مسؤولية مضاعفة في حماية قضية الأسرى بوصفها قضية وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الحزبية، وتشكل أحد أعمدة الهوية النضالية للشعب الفلسطيني، فالأسرى البواسل، المناضلون من أجل الحرية والكرامة الوطنية، لم يكونوا يومًا شأنًا فئويًّا، بل كانوا دائمًا عنوانًا لوحدة المعاناة ووحدة الهدف.
كما أن مواجهة هذا “الإرهاب القانوني” تتطلب جهدًا سياسيًّا وحقوقيًّا منظمًا، يبدأ بتدويل هذه القضية وفضح أبعادها أمام المؤسسات الدولية، ويمتد إلى بناء حالة ضغط حقيقية تكشف الطابع العنصري لهذه التشريعات، وتضعها في سياقها بوصفها جزءًا من منظومة تمييز ممنهجة.
إن التجارب التاريخية تؤكد أن القوانين الجائرة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تخلق شرعية دائمة، فالشرعية الحقيقية لا تستمد من نصوص تكتبها القوة، بل من عدالة القضايا التي تدافع عنها الشعوب، ولهذا، فإن كل القوانين التي حاولت كسر إرادة الشعوب سقطت في نهاية المطاف، بينما بقيت إرادة الحرية.
قد ينجح الاحتلال في فرض مزيد من القيود، وقد يتمكن من تشديد إجراءاته، لكنه لن يستطيع أن ينتزع من الأسير الفلسطيني مكانته الرمزية في الوجدان الوطني، ولن يتمكن من تحويل مطلب الحرية إلى جريمة في وعي شعب يناضل من أجل حقه في الحياة والكرامة.
إن ما يسمى بقانون إعدام الأسرى لن يكون سوى شاهد إضافي على واحدة من أكثر مراحل الصراع قسوة، لكنه سيبقى أيضًا دليلًا على أن الاحتلال، مهما حاول أن يضفي على سياساته طابعًا قانونيًّا، لن يستطيع إخفاء حقيقتها بوصفها شكلًا من أشكال الإرهاب الذي تحاول النصوص تجميله، دون أن تنجح في إخفاء جوهره، فالقانون الذي لا يحمي الحياة يفقد معناه، والعدالة التي لا تنصف الإنسان تتحول إلى أداة ظلم، والتشريع الذي يبرر الموت لن يكون، في نظر ضحاياه، سوى إرهاب، ولو كتب بلغة القانون.

The post إرهاب قانوني appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤