“أوراق الكفاف”.. تأملات بنيونس عميروش في زمن وبائي هز اليقين وغير لغة الفن
نصوص الكتاب، الذي تم تقديمه مساء الخميس بالرباط، في لقاء احتضنه المركز الثقافي إكليل” التابع لمؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، من وحي زمن جائحة كوفيد الذي فرض على الذات عزلة قسرية ولجوءا اضطراريا إلى مكان مغلق. إنه زمن منع الحرية الجسدية، يقول المؤلف، لكنه لم يمنع الذات من السفر خارج حدود الحجر الصحي، والانتقال من الحركة الفيزيائية إلى التنقل الفكري الذي يجوب الآفاق بالتأمل والتخييل.
ينطوي الكتاب، حسب بنيونس عميروش في حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، على لمسة أدبية تطبع تأملات في الحرية والديموقراطية والإبداع في زمن فريد لجائحة أطاحت بالكثير من اليقينيات. فقد فرضت دمقرطة غير متوقعة للمعاناة بين البلدان المتقدمة والأقل تقدما لأن الكل يصارع من أجل البقاء. في بعض الحالات، قدمت البلدان المنتمية الى الجنوب نماذج لاستجابة أكثر فعالية واستشرافا على غرار المغرب حيث توطدت الثقة في أداء المؤسسات على صعيد عدة قطاعات من قبيل الصحة والتعليم والأمن.
يلاحظ أن هرم النجومية انقلب دون سابق إشعار لتنتقل الأضواء من نخبة الفنانين والرياضيين وصناع الموضة إلى مجمع العلماء الذين تطلعت إليهم أفئدة الناس عبر العالم ترقبا لإيجاد لقاح يحمي العالم من الشر المستطير.
يستنطق بنيونس علامات من حقول السيميائيات والسوسيولوجيا ليسجل عودة الشباب، الذي كان قد انجذب مع صيحة الحداثة إلى الاستقلال بالعيش وتبني الخيارات الفردية، إلى حضن العائلة وانبعثت قيم التكافل والتضامن. النموذج التقليدي أبان عن قدرته على تقديم مقترحات لنمط عيش يسعف في زمن الأزمات.
بل إن الباحث الجمالي يلامس حقل الجغرافيا السياسية حين يقول: “كنا نتحدث عن العولمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة. مع الجائحة، عاد مفهوم الحدود بقوة مع قرارات إغلاق المجالات الترابية”، مع ما يترتب عن ذلك من تجديد في مشاعر العلاقة مع فكرة الوطن.
في شهادته، يرى الكاتب الصحفي عبد العزيز كوكاس أن الكتاب سليل سياق مفصلي في الزمن الكوني انطبع بكثير من الخوف والجرح والموت، واحتدمت فيه مساءلة القيم والذات التي طالما ظلت مطمئنة إلى قوة العلم والتقنية ووهم ترويض الطبيعة.
وسجل كوكاس أن بنيونس عميروش يلتقط العناصر الجوهرية خلف ارتداء القناع، ومراوحة الذات بين اليقين والارتياب، منصتا لإيقاع النبض المشترك للإنسان. إنها كتابة أزمة متوترة تجسد قدرة الأدب على تجاوز الصدمة.
وأضاف أن “أوراق الكفاف” تنحدر من جنس هجين، حيث يتضافر التأمل مع تقنيات المقال الصحفي والقراءة الجمالية. وهو اختيار من طبيعة الجائحة التي كسرت الحدود بين آليات الفهم والنظر إلى العالم والوجود.
وهو فضلا عن ذلك، كتاب بلا تخطيط مسبق، حرر بلغة مكثفة ومتقشفة لا تقول إلا ما يلزم دون تضخم في الخطاب. ينبش في لغة الفن التي غيرت نفسها حين تحول البيت إلى مختبر فني واللغة إلى أداة السيطرة على واقع منفلت. من تضخم خطاب إعلامي ينقل خبر الخسارات والضحايا، ينتج عميروش خطاب المعنى الذي يفكك أثر المأساة في الوجدان وعلاقة الفنان بالجسد والفضاء، يضيف كوكاس.
وفضلا عن النصوص التأملية، يضم الكتاب محورا في تأبين المشهد الثقافي الذي رزء في العديد من صناعه الكبار على الصعيد الوطني والعربي والدولي. فهو يبني ذاكرة ضد الفقدان وهو ينسج بورتريهات راحلين كبار في زمن الوباء من طينة الفنان التشكيلي محمد المليحي والمسرحي حسن المنيعي والسينمائي نور الدين الصايل إلى جانب النحات والمعماري الأمريكي البلغاري خريستو والنحات المصري آدم حنين وآخرين.
هو كتاب ذاتي يمتح من زمن الهشاشة، تقول الناقدة حورية الخمليشي، في سعيه إلى إعادة بناء الذات في سياق أزمة وجودية عارمة أعادت تشكيل العلاقة مع العالم. ذلك أن الجائحة لم تكن أزمة صحية عابرة بل حدثا أنثروبولوجيا غير علاقة الانسان بالزمان والمكان، حيث تحولت العزلة إلى زمن للتأمل والابداع، وأنتجت وعيا جديدا بحدود الكتابة وبضرورتها في الآن نفسه.
يجمع بنيونس عميروش، حسب الخمليشي، بين الشهادة والتحليل من منطلق موقعه المزدوج كفنان وناقد جمالي في نفس الوقت. فالكاتب يرصد كيف أن الخلوة فسحت مجالا واسعا لمساءلة الحرية والحتمية ولتفجير أشكال تعبيرية جديدة. الإبداع في هذا السياق وسيلة لمساءلة الأزمة لا الهروب منها.
وكان الباحث المغربي عبد الرحمن بن زيدان قد كتب في تقديمه للإصدار أن “أوراق الكفاف” تتسم بجهد نقدي وفني متكامل، حيث يقوم الكاتب بمهمة تحليل دقيقة للواقع الفني الذي أفرزته جائحة كورونا، مبرزا العلاقة بين الجائحة والفنون، ومسلطا الضوء على كيفية تأثير الظروف الاستثنائية التي مرت بها البشرية على الإبداع الفني.
يذكر أن بنيونس عميروش من مواليد وجدة سنة 1960. عمل أستاذا لتاريخ الفن الحديث بالمدرسة العليا للأساتذة بمدينة مكناس، وتولى رئاسة الجمعية المغربية للنقد الفني. أقام العديد من المعارض وشارك في ملتقيات تشكيلية. وصدرت له كناقد عدة مؤلفات من بينها “قراءات في التصوير المغربي المعاصر”، “مسالك البصري- وسائط ورهانات الفن المعاصر”، “النحت المعاصر في المغرب”، و”التمثيل ومفارقاته: حالة التشكيل المغربي”.