«أولًا ببطء، ثم فجأة»: الهيمنة الافتراسية وتآكل القوة الأمريكية

قدير أوستون - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
المقال الذي نُشر في عدد مارس-أبريل من مجلة فورين أفيرز، بقلم أحد أبرز رموز المدرسة الواقعية ستيفن إم. والت، تحت عنوان «الهيمنة الافتراسية: كيفية استخدام ترامب للسلطة»، يقدّم منظورًا مهمًا ومفسّرًا للغاية لفهم مقاربة دونالد ترامب في السياسة الخارجية. ويرى والت أن توصيف سياسة ترامب الخارجية بأنها قومية وواقعية ومركنتيلية وإمبريالية وانعزالية هو توصيف صحيح جزئيًا، لكنه يدافع عن أن الولاية الثانية لترامب يمكن تعريفها بمفهوم «الهيمنة الافتراسية». ووفقًا لوالت، فإن هذا النهج، الذي تُستخدم فيه المكانة المميزة لواشنطن لانتزاع التنازلات من الحلفاء والخصوم على حد سواء، قد يحقق نجاحًا جزئيًا على المدى القصير، لكنه لن يخدم المصالح الوطنية الأمريكية على المدى الطويل، بل سيقوّض أسس هيمنتها ويُسرّع تراجعها.
مراحل الهيمنة الأمريكية
يقسم والت مظاهر القوة الأمريكية إلى ثلاث مراحل: «الهيمنة المتعاطفة» خلال الحرب الباردة، و«الهيمنة المتغطرسة» في مرحلة القطب الواحد، و«الهيمنة الافتراسية» في الولاية الثانية لترامب. ويشير إلى أنه رغم تعاملها الحازم أحيانًا مع حلفائها خلال الحرب الباردة، فإنها لم تكن تسعى في الأساس إلى إضعافهم. أما في مرحلة القوة العظمى الوحيدة، فقد عجزت الولايات المتحدة عن ضبط غرورها وارتكبت أخطاء مثل حربي أفغانستان والعراق، لكنها كانت تقصر سياساتها العدوانية على «الأنظمة المارقة» دون استهداف حلفائها.
أما نهج ترامب فيبرز في تفضيله الدخول في مفاوضات ثنائية مع جميع الأطراف، دون تمييز بين صديق وعدو، بهدف تحقيق أقصى قدر من التنازلات والامتيازات. وتسعى هذه السياسة إلى خروج الولايات المتحدة بأكبر قدر من المكاسب من كل علاقة، وإضعاف الطرف الآخر قدر الإمكان، بدلًا من بناء علاقات مستقرة ومتبادلة المنفعة. فالهيمنة الافتراسية تتعامل مع ميزان القوى كمعادلة «محصلتها صفر»، دون التفريق بين الحلفاء والخصوم.
وتدفع هذه السياسة الولايات المتحدة إلى ممارسة الضغط على حلفائها مثل أوروبا وكندا، بينما تضطر في الوقت ذاته إلى البحث عن اتفاقيات تجارية مع خصوم أقوى مثل الصين. وتستخدم واشنطن العقوبات والرسوم الجمركية كسلاح اقتصادي، وتسعى للحصول على تنازلات اقتصادية مقابل تقديم الحماية العسكرية. كما أن تجنب التعددية ينبع من السعي إلى اقتطاع أكبر حصة من «الكعكة» القائمة، بدلًا من توسيعها بما يعود بالنفع على الجميع.
ويرى والت أن ما يميز الهيمنة الافتراسية عن سلوك القوى الكبرى تجاه الدول الضعيفة، هو أن الضغط على الحلفاء لا يكون خيارًا مفضلًا إلا عند الضرورة، وأن ازدهار وقوة الدول الصديقة يُنظر إليهما عادة كعامل إيجابي يصب في مصلحة القوة المهيمنة. أما في عالم الهيمنة الافتراسية، فإن القوة الكبرى تسعى دائمًا لتحقيق مكاسب أكبر من جميع الأطراف، كبارًا وصغارًا، ويُعد خسارة الآخرين نتيجة طبيعية لهذا النمط من العلاقات.
مفارقة الهيمنة الافتراسية
يُظهر تحليل والت أن الهيمنة الافتراسية تواجه خطر استنزاف نفسها. ففي مواجهة أسلوب ترامب الضاغط، تتجه حلفاء مثل كندا وأوروبا إلى البحث عن بدائل عبر إبرام اتفاقيات مع دول مثل إندونيسيا والهند والصين. كما أن إدخال قضايا مثل الناتو وأوكرانيا وتايوان ضمن حسابات المساومة الاقتصادية لا يزيد فقط من المخاطر الأمنية الدولية، بل يعزز أيضًا حالة عدم الاستقرار وعدم القدرة على التنبؤ.
كما أن سلوكيات «افتراسية» مثل السعي لضم غرينلاند أو العمليات المرتبطة بمادورو تقوّض شرعية ومصداقية الهيمنة الأمريكية عبر تجاهل القانون الدولي. إضافة إلى ذلك، فإن عدم تنفيذ ترامب لتهديداته يدفع قوى أخرى للاعتقاد بأن واشنطن تمارس «الخداع». ويمكن فهم مواقف كندا الرافضة لفكرة أن تصبح الولاية الحادية والخمسين، ورفض الدنمارك ضم غرينلاند، وموقف إيران من مضيق هرمز في هذا السياق. وبالمثل، قد يؤدي اعتقاد الصين بأن ترامب لن يتخذ خطوات حاسمة بشأن تايوان إلى تحركات عسكرية تُضعف النظام الدولي.
ويمكن القول إن الاستخدام المفرط للهيمنة الأمريكية يخلق مفارقة تتمثل في تحقيق مكاسب جزئية على المدى القصير، مقابل خسارة في المصداقية والشرعية والردع على المدى الطويل. فبحث الحلفاء عن بدائل، وعدم خشية الخصوم من القوة الأمريكية، يعززان هذا الاتجاه المُضعِف للهيمنة.
ويمكن توجيه انتقادات لإطار والت باعتباره يبالغ في تصوير الطابع الأقصى لسياسات ترامب. فمثلًا، قد يُقال إن سياساته التجارية ساهمت، ولو بشكل محدود، في تعزيز القدرات الوطنية الأمريكية وكبح تقدم الصين، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار سياسة ترامب ليست افتراسية فقط، بل تحمل أيضًا بُعدًا جيو-اقتصاديًا. كما يمكن الإشارة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو، وسعي حلفاء الولايات المتحدة في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى توثيق علاقاتهم مع واشنطن.
ورغم أن الولايات المتحدة قد تبدو غير موثوقة وغير قابلة للتنبؤ، فإن ذلك لا يعني أن الصين أصبحت أكثر موثوقية. كما أن هناك من يرى أن الحكم بفشل استراتيجية الهيمنة الافتراسية لا يزال مبكرًا. ورغم وجاهة هذه الانتقادات، فإن إسهام والت يكمن في توضيح الفارق بين سياسة ترامب الخارجية وأنماط الهيمنة الأمريكية السابقة.
فتركيز ترامب على ميزان القوى دون تمييز بين الحلفاء والخصوم، وسعيه إلى تعظيم المصلحة الوطنية على حساب الآخرين، يمثل السمة الأبرز التي تميزه. وبينما يصعب القول إن الهيمنة الأمريكية ستنتهي في المدى القصير أو المتوسط، فإن فكرة تآكلها على المدى الطويل تجد صدى متزايدًا. ويستشهد والت بالكاتب إرنست همنغواي ليؤكد أن تراجع القوة الأمريكية سيحدث «أولًا تدريجيًا، ثم فجأة». وتشير هذه الرؤية أيضًا إلى تراجع الإيمان بأن أمريكا في عهد ترامب ستظل «الطفل الذي يعود من الخلف ليفوز» بطريقة ما.





