انتصار بلا ضجيج… الصبر الاستراتيجي يطوّق واشنطن
خاص مركز بيروت للأخبار
بقلم: مصطفى زين العابدين
بين موسكو ومسقط وإسلام آباد، يتحرك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ضمن مسار دبلوماسي متدرّج يعكس استراتيجية أعمق من مجرد زيارات بروتوكولية، في وقت تتخبط فيه واشنطن بخياراتها بين التصعيد والاحتواء. المشهد لم يعد مجرد صراع نفوذ، بل اختبار تاريخي لسؤال يتردد في أدبيات السياسة الدولية: هل ما نشهده هو بداية تآكل الهيمنة الأمريكية، أم إعادة تموضعها؟
التحرك الإيراني الأخير لا يمكن قراءته خارج ما يسميه نعوم تشومسكي “تآكل الإمبراطوريات من الداخل قبل الخارج”، حيث تصبح أدوات القوة الصلبة أقل فاعلية أمام شبكات النفوذ المرنة. فطهران لا تواجه واشنطن الآن بالشكل المباشر بعد وقف إطلاق النار، بل عبر نسج علاقات متداخلة تشبه إلى حد بعيد فن السجاد الإيراني: خيوط دقيقة، متراكمة، تحتاج سنوات لتكتمل، لكنها في النهاية تنتج لوحة متماسكة يصعب تفكيكها تباع بأغلى الأثمان لكن الأهم أنها تعلمهم الصبر.
هذا هو “الصبر الاستراتيجي” بمعناه الحقيقي، لا كتكتيك مؤقت، بل كعقيدة حضارية متجذرة. الإيراني، الذي يقضي سنوات في حياكة سجادة واحدة، لا يرى الزمن كعامل ضغط، بل كأداة بناء. وهنا تكمن المفارقة: بينما تسعى واشنطن لنتائج سريعة عبر الضغط والضربات، تعمل طهران على إعادة تشكيل البيئة السياسية نفسها.
في المقابل، تبدو إدارة دونالد ترامب أقرب إلى نموذج “الاستعراض القسري للقوة”، وهو ما يتناقض مع ما طرحه فرانسيس فوكوياما حول “نهاية التاريخ”، حيث افترض أن النموذج الليبرالي سيحسم الصراع. لكن الواقع الحالي يكشف العكس: تعددية قطبية صاعدة، وتراجع قدرة النموذج الأمريكي على فرض نفسه كخيار وحيد.
ترامب نفسه أقرّ قبل الحرب بأن “الإيرانيين لم يخسروا حرباً في تاريخهم”، وهو تصريح يكشف إدراكاً ضمنياً لطبيعة الخصم، لكنه لم ينعكس في السلوك السياسي. بل على العكس، اتجهت واشنطن نحو سياسات أقرب إلى “البلطجة الدولية”: “تهديد، عقوبات، تدخلات، ومحاولات إعادة تشكيل الأنظمة بالقوة، وهي أدوات أثبتت محدوديتها في بيئات معقدة كإيران”.
في هذا السياق، يبرز دور بنيامين نتنياهو كفاعل مستفيد من تمدد الصراعات، حيث يشكل التصعيد المستمر رافعة سياسية داخلية وخارجية له، ووسيلة لجرّ واشنطن إلى مستنقعات إقليمية أعمق، وهو ما يفسر جزئياً اندفاع الإدارة الأمريكية نحو خيارات تصعيدية غير محسوبة النتائج.
قد تبدو “محاولة اغتيال ترامب” الأخيرة، استعراضاً تعاطفياً لإعادة لملمة الصورة المهتزة بفعل خيارات الاندفاع غير المحسوبة وحتى الكارثية، أكثر منها محاولة اغتيال حقيقة، فقد بدت، وفق كثير من القراءات، أقرب إلى عرض سياسي مرتبك منه إلى عملية أمنية محكمة، ما يعكس حالة الفوضى داخل المشهد الأمريكي ذاته.
تزامن ذلك مع تراجع ثقة الحلفاء، سواء في أوروبا أو في الشرق، حيث لم تعد واشنطن قادرة على تقديم ضمانات مستقرة، في وقت تصعد فيه الصين كبديل اقتصادي واستراتيجي يعيد رسم موازين القوى العالمية، في الحقيقة قد يكون ترامب أكثر رئيس في تاريخ واشنطن فضح السياسات الأمريكية ومكامن الضعف الإمبراطورية المفترضة.
زيارة عراقجي إلى موسكو ولقاؤه مع فلاديمير بوتين ليست مجرد تنسيق ثنائي، بل جزء من محور أوسع يعيد تشكيل التوازنات الدولية. بالتوازي، تعزز طهران علاقاتها مع سلطنة عمان لـضبط أمن مضيق هرمز، ومع باكستان كوسيط في التهدئة، في شبكة علاقات تعكس فهماً عميقاً للجغرافيا السياسية.
المقترح الإيراني الأخير، الذي يفصل بين فتح مضيق هرمز والملف النووي، يكشف براعة تكتيكية: تفكيك الأزمات بدل تكديسها، وفرض إيقاع تفاوضي لا يخضع بالكامل للضغط الأمريكي.
وبالتالي، بين حياكة إيرانية دقيقة تمتد لسنوات، وأداء أمريكي متسارع أقرب إلى ردود الفعل، تتشكل معادلة جديدة: القوة لم تعد في الضربة الأولى، بل في القدرة على الاستمرار.
السؤال لم يعد: كيف تحاصر واشنطن طهران؟
بل: كيف نجحت طهران في تحويل الضغط إلى فرصة، وفي جعل خصمها يبدو محاصراً داخل تناقضاته؟
The post انتصار بلا ضجيج… الصبر الاستراتيجي يطوّق واشنطن appeared first on Beirut News Center.





