انتخابات اتحاد طلبة “الأردنية”.. ساحة تعيين وهندسة للمشهد الطلابي أم مساحة تنوع واستقلالية بحجم الوطن؟
كتب: د. سامر أبو رمان
تقترب انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية هذا العام وسط جدل واسع، خاصة بعد إعلان عدة كتل طلابية مقاطعتها الانتخابات؛ احتجاجاً على التعديلات الجديدة التي شملت توسيع التعيينات داخل الاتحاد، وتقليص بعض أشكال التمثيل الطلابي المنتخب. وهذا الجدل لا يتعلق فقط بانتخابات طلابية عابرة، بل بصورة الجامعة الأردنية نفسها “أُم الجامعات” التي طالما كانت محل احترام ومحبة من مختلف الأردنيين.
حين سُئلت سابقاً في مقابلة مع مجلة خريجي الجامعة الأردنية عن أعز ذكرياتي في الجامعة، تحدثت عن عالم الأفكار والنقاشات والتنوع الذي عشته هناك، وكيف أصبحت أضرب مثالاً بالجامعة الأردنية حين أتحدث عن “العينات الممثلة” في الدراسات، لأنها كانت تعكس تنوع الأردن بكل أطيافه واتجاهاته وخلفياته.
(https://bit.ly/49qqiVV) رابط المقابلة
لذلك، فإن إبعاد الطلبة عن التمثيل الحقيقي لما يعبرون عنه من توجهات، حتى لو قُدمت أحياناً بعض المبررات الهشة، يبقى أمراً مقلقاً؛ فالتدخلات الأمنية والرسمية في الحياة الطلابية تهز المناخ الجامعي الذي يفترض أن يكون مساحة للإبداع والحرية والتجربة السياسية الطبيعية للشباب.
فالطلبة من حقهم أن يخوضوا تجاربهم، حتى لو كانت أحياناً عاطفية أو متحمسة؛ لأن ذلك جزء طبيعي من التكوين السياسي والفكري في هذه المرحلة العمرية.
ومع الأسف، لا يمكن نسيان كيف ساهمت بعض التدخلات سابقاً في صناعة استقطابات وانقسامات داخل الجامعات، وحتى دعم بعض التيارات أو الأحزاب لمواجهة تيارات أخرى؛ ما خلق تناقضات مؤلمة ومزعجة داخل البيئة الطلابية، مثل هتافات “يعيش” في مقابل “الله أكبر”.
والأسوأ أن بعض هذه التجارب أفرزت لاحقاً شخصيات عايشتها شخصياً في الجامعة الأردنية، واستلمت بعد سنوات مناصب وزارية وقيادية في البلد، كأن ذلك كان ردّاً للجميل على ما مارسه هؤلاء آنذاك من ولاء أعمى للحكومات والأجهزة لا للوطن، مع الأسف.
ولعل ما يفسر قوة طلبة الجامعات الأمريكية العريقة، كما أشرت في فيديو بعنوان: “ما سر قوة طلاب جامعات أمريكا العريقة في تضامنهم مع فلسطين؟ نموذج جامعة برنستون” (https://youtu.be/pzQ1C49_s04?si=bo_vCWiu3O2Y2s8Q) أن هذه الجامعات لم تُبنَ فقط على المختبرات والتصنيفات الأكاديمية، بل على مناخ يسمح للطلبة بأن يناقشوا ويحتجوا ويختلفوا ويصنعوا مواقفهم داخل الجامعة. فالجامعة القوية ليست تلك التي تُخرّج طلبة أعينهم على المناصب والتكسب من خيرات الوطن ببيع مواقفهم، بل التي تصنع عقولاً ناقدة وشخصيات مخلصة لخدمة البلاد والعباد.
ومن الأمثلة اللافتة على ذلك، المحاضرة التي نظّمها طلبة جامعة برنستون ضمن مجموعة “طلاب برنستون من أجل العدالة في فلسطين”، وقد استضافت المحاضرة د. نورمان فنكلستين Norman Finkelstein الأكاديمي والمفكر اليهودي الأمريكي المعروف بمواقفه النقدية الجريئة من الصهيونية والسياسات الإسرائيلية، وأدارها الصحفي الأمريكي المخضرم كريس هيدجز (Chris Hedges). (https://www.youtube.com/watch?v=-VtaKMoS-KE).
وأذكر أنني حضرت هذه المحاضرة شخصياً رغم أنها كانت في شهر رمضان، وقد أُغلقت القاعة مبكراً بعد حضور أكثر من 400 شخص، في دلالة واضحة على قوة التنظيم الطلابي وحيوية المناخ الجامعي. فمثل هذه الفعالية، وبهذا الموضوع الحساس وفي ذلك الوقت، لم تكن لتُعقد بهذه الجرأة لولا وجود مساحة طلابية مستقلة وقوة طلابية قادرة على المبادرة والتنظيم.
الجامعة الأردنية كانت دائماً مساحة تمثل الأردن الكبير، وقيمتها الحقيقية كانت في هذا التنوع والحيوية والاستقلالية، لا في التعيين وهندسة المشهد الطلابي ليناسب بعض الجهات.
The post انتخابات اتحاد طلبة “الأردنية”.. ساحة تعيين وهندسة للمشهد الطلابي أم مساحة تنوع واستقلالية بحجم الوطن؟ appeared first on السبيل.


