انتخاب رئيس العراق رغم الانقسام يسخّن معركة رئاسة الوزراء
بغداد – محمد البغدادي
في خطوة سياسية بارزة جاءت وسط أجواء مشحونة بالخلافات والانقسامات، عقد مجلس النواب العراقي، اليوم السبت، جلسة حاسمة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بحضور 252 نائباً من أصل أعضاء المجلس الـ 329، في مشهد يعكس استمرار الحراك السياسي رغم اتساع رقعة المقاطعة بين قوى رئيسية.
وأسفرت عملية التصويت عن انتخاب نزار آميدي، مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، رئيساً للجمهورية، بعد منافسة جرت في ظل انقسام كردي - كردي واضح، وتباين في مواقف الكتل السياسية العراقية بشأن آلية التوافق على المناصب السيادية. وجاءت هذه الجلسة بعد سلسلة من التأجيلات والمشاورات السياسية المكثفة التي لم تفض إلى توافق شامل، ما أدى إلى مقاطعة عدد من القوى المؤثرة، أبرزها "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، إضافة إلى الحزب الديموقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني.
وتعكس هذه المقاطعة عمق الخلافات السياسية، لا سيما بين القوى الشيعية والكردية، فضلاً عن استمرار التنافس داخل البيت الكردي على منصب رئاسة الجمهورية، الذي يعد أحد أبرز الاستحقاقات الدستورية في البلاد. ويرى مراقبون أن انعقاد الجلسة بهذا النصاب، رغم الغيابات، يشير إلى إصرار قوى سياسية على المضي قدماً في استكمال الاستحقاقات الدستورية، حتى في ظل غياب التوافق الكامل.
التمهيد لمعركة رئاسة الوزراء
في السياق ذاته، تكتسب نتائج هذه الجلسة أهمية مضاعفة، كونها تمهد لبدء العد التنازلي لاختيار رئيس الوزراء، إذ ينص الدستور العراقي على أن يقوم رئيس الجمهورية المنتخب بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر بتشكيل الحكومة خلال مدة لا تتجاوز 15 يوماً، على أن يمنح المكلف مهلة 30 يوماً لتقديم تشكيلته الوزارية ونيل ثقة البرلمان.
ومع استمرار حالة الانقسام والمقاطعة، تزداد التساؤلات بشأن قدرة القوى السياسية على التوصل إلى تفاهمات تضمن تمرير الحكومة المقبلة بسلاسة، أو ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التعقيد السياسي، في ظل تداخل المصالح وتضارب الأجندات داخل المشهد العراقي.
ويقول النائب عن الإطار التنسيقي مهدي تقي، لـ"النهار"، إن "جلسة انتخاب رئيس الجمهورية التي عقدت اليوم تمثل خطوة دستورية مهمة لإنهاء حالة الجمود السياسي، رغم ما رافقها من مقاطعة بعض الكتل والخلافات الحادة داخل المشهد السياسي، فحضور 252 نائباً يعكس توفر الإرادة السياسية لدى غالبية القوى للمضي في استكمال الاستحقاقات الدستورية".
وأكد تقي أن "انتخاب مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني نزار آميدي جاء نتيجة توافقات مرحلية داخل البرلمان، وإن لم تكن شاملة لجميع الأطراف. ومقاطعة ائتلاف دولة القانون، إلى جانب الحزب الديموقراطي الكردستاني، تعكس عمق الخلافات السياسية، لكنها لا تعطل المسار الدستوري الذي يجب أن يستمر وفق التوقيتات المحددة".
وأضاف أن "المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية، لا سيما مع بدء المهلة الدستورية لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، ونتوقع أن يتجه الإطار التنسيقي إلى تقديم مرشحه خلال الأيام القليلة المقبلة، خاصة أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اختيار رئيس الوزراء، بل في قدرة القوى السياسية على التوافق على برنامج حكومي قادر على معالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية، وكذلك الأمنية في ظل تطورات التصعيد والحرب في المنطقة مؤخراً".
من جهته قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد علي الجبوري، لـ"النهار"، إن "جلسة مجلس النواب العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية جاءت كحل اضطراري أكثر منها نتاج توافق سياسي حقيقي، فانتخاب مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في ظل غياب قوى رئيسية، بينها ائتلاف دولة القانون والحزب الديموقراطي الكردستاني، يعكس خللاً عميقاً في بنية التوافق السياسي، ويؤشر إلى أن العملية السياسية تدار بمنطق كسر الإرادات وليس بمنطق الشراكة".
صراعات النفوذ داخل المكوّنات السياسية
وأضاف الجبوري أن "المشهد الحالي لا يمكن فصله عن صراع النفوذ داخل المكونات السياسية، خصوصاً داخل البيتين الشيعي والكردي، حيث باتت المناصب السيادية ورقة ضغط في صراع أوسع على إدارة الدولة، وتمرير انتخاب رئيس الجمهورية بهذه الطريقة قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد السياسي، وربما الطعن بشرعية التوافقات المقبلة".
ورأى أن "المهلة الدستورية لتكليف مرشح الكتلة الأكبر قد تتحول إلى ساحة صراع جديدة، خاصة إذا ما أصر الإطار التنسيقي على تمرير مرشحه دون تحقيق حد أدنى من القبول السياسي، وأي حكومة تشكل في ظل هذا الانقسام ستكون عرضة للاهتزاز منذ لحظتها الأولى".
وتابع الجبوري أن "استمرار سياسة الإقصاء والمقاطعة قد يدفع البلاد نحو انسداد سياسي أعمق، ويعقد من قدرة الحكومة المقبلة على تمرير برامجها، خصوصاً في الملفات الحساسة مثل الاقتصاد والخدمات والأمن، خاصة أن العراق يقف اليوم أمام اختبار حقيقي لإمكانية إعادة إنتاج توافق سياسي مستدام، أو الانزلاق نحو دورة جديدة من الأزمات المفتوحة".
وتم انتخاب رئيس الجمهورية الجديد في العراق على وقع أزمة سياسية طويلة، أفضت إلى فراغ دستوري تجاوز المدد المحددة، إذ مر نحو 70 يوماً على انقضاء الاستحقاق الدستوري، فيما تجاوزت فترة غياب الحكومة الجديدة 140 يوماً، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الأمنية والاقتصادية التي تعمق تعقيدات الوضع الداخلي.




