... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
18479 مقال 495 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3303 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 7 ثواني

«أنت منذ الأمس»: تيسير السبول يلتقي بطل روايته

حبر
2026/01/21 - 10:13 501 مشاهدة

يُمسك الرواية صباحًا، ويحاول الكتابة في المساء، ليعود في صباح اليوم التالي ويحذف ما كتب. يكتب كل شيء ويتسامح مع احتمالية رغبته بحذفه في وقت لاحق. يقول عبد السلام قبيلات، مخرج المسرحية: «كل شيء كان صعب للغاية.. عذبني هذا العمل».

كان قبيلات قد قرأ مبكرًا رواية تيسير السبول «أنت منذ اليوم»، التي هي أساس مسرحيته الأخيرة. جالت الفكرة في خياله من وقتها، فقد أدهشته الرواية في كل مرة قرأها فيها، وكشفت له عن طبقات جديدة لم يلتفت لها. في العام 2022، وكمحاولة أولى للتعامل مع النص، قدم مسرح الشمس فعالية في ذكرى رحيل السبول التاسعة والأربعين. أعد قبيلات خلالها مونولوجًا قدمته على المسرح الفنانة حياة جابر، اختبر من خلاله وقع النص وتأثيره مسرحيًا.

شكَّل العام 2023 مرحلة مفصلية في رحلة قبيلات مع العمل. فقد أعرض عنه بعد اختراق المقاومة الفلسطينية في غزة الجدار، مُحدثة خرقا في منظومة الاحتلال في السابع من أكتوبر. فكر قبيلات أن لا مكان للحديث عن أي هزيمة متراكمة أمام بطولة كهذه. إلا أنه وأمام ما تبع الحدث من حرب إبادة بتواطؤ عالمي، وما رافقها من أحداث سياسية واجتماعية، ومع الانتكاسات المتتالية التي شهدناها، لم يجد مفرًا من استكمال هذا العمل.

بعد أن حمل خيبته ولبس كآبته، انسحب قبيلات إلى روسيا حيث يعيش ويعمل، ليجتهد لشهور طويلة بالعمل على نص المسرحية بصمت. هذه الخيبة تحديدًا، جعلته ولمرة جديدة، يفهم السبول بطريقة أفضل. صارت روايته متنفسًا له من كل هذا الأسى. عكف على صنع «أرض صلبة» من خشبة المسرح، كتلك التي حلم بها السبول، ولرغبته في خلقها كتب روايته. أرض، يقتبس قبيلات السبول، ليست رخوة وإن كانت مريرة وصعبة، لنحاول الوقوف عليها جميعًا، لندرك الحقيقة ولا شيء سواها. 

في العام 1968، وبعد هزيمة حزيران وتراجع حلم المشروع القومي العربي، كتب تيسير السبول روايته اللاذعة الهجاء، مُجرّدا كل الشخوص والأماكن إلى حد أدنى من التفاصيل، مُنطلقًا من أحداث مشبعة انفعاليًا، ولغة ساحرة. تخلى الكاتب فيها عن أي صور تقليدية في السرد وبناء الشخصيات والأماكن. وانتهج نهجًا ما بعد حداثي بحسب نقاد كُثر كتبوا عن الرواية منذ نشرها وحتى اليوم. ويعني ذلك تحديدًا، أنه اختار التخلي عن أي ترتيب زمني ومكاني منتظم في العمل. وسردَ الأحداث ضمن مجموعة من المشاهد التي يُخيّل للمتلقي بأنه يتأرجح فيها بين الخيال والواقع. وبالطريقة ذاتها بُنيت المسرحية.

تَحمل المسرحية عنوان «أنت منذ الأمس»، وهذا التصرف باسم الرواية، قد يحاول الإشارة إلى تغير الزمن وثباته في الوقت ذاته. تربط صيغة الثبات هذه الرواية بواقعنا اليوم، وتؤكد على راهنيّتها، وكأن الزمن توقف عند لحظة معينة، ما زلنا نعيشها بشكل مستمر وندور حولها عائدين لنقطة الصفر من جديد. يتناوب أربعة ممثلين على الأدوار في المسرحية، في مشهدية عالية وتصاعد مؤثر وغير منتظم للأحداث. والنص الذي حمل صفة الاستمرارية رغم قِدمه، انعكس بوضوح على الخشبة. تحركات تتكرر ذهابًا وإيابًا من خلال الشخصيات، وتكرار لبعض النصوص على لسانها. موسيقى تُعاد ذاتها في أكثر من مشهد. كل هذا التكرار على مستوى الأداء والإخراج، هو صورة عن تكرار الواقع وإعادة إنتاجه جيلًا فجيل.

مشاهد من المسرحية زودنا بها المخرج.

هذه الاستمرارية تنسحب أيضًا على علاقة تيسير ببطل روايته واتصال الأحداث بينهما. يتحدث قبيلات بحرص شديد عن مفارقة لم تغب عن باله خلال عمله على المسرحية، إذ يقول إن تيسير كتب رواية كانت فيها شخصية «عربي» تكتب شيئا لا تعرف ما اسمه! وهو تمامًا ما فعله تيسير في الواقع. في وقت ما، يجلس عربي بعد أن أشعل سيجارته منتظرًا ذوبان حبوب الدواء في كأس أمامه، مُقبلًا على الانتحار، لكن الكاتب ينقذه من الموت المحقق. أمّا على المسرح فيقرر عربي أن يغير ما حدث بالواقع، ويمنع السبول عن احتجاجه القاسي على هذا العالم بإنهاء حياته، لينقذه من الموت بدوره أيضًا.

إن لقاء البطلين على خشبة المسرح كان أمرًا حتميًا في نظر المخرج، ليخوضا حوارًا مؤجلًا منذ ستين عام. هذا اللقاء بين بطليْ المسرحية -وفي ذات الوقت بين كاتبي الرواية- بحسب فهم المخرج لها، ليس لقاءً تاق له كلاهما فحسب، بل حتى نحن، الجمهور الذي كان تيسير وفيًا له حين أنقذ عربي -برمزيته- من الموت في الرواية، وأنهى حياته هو بعدها بسنوات في الواقع، وكأن آثر حياة أمّته على حياته. 

عمل المخرج على النص بنظرة آنية. فاستحدث شخصية فتاة معاصرة، تجلس في المقهى وتقرأ الرواية. يتصفح الناس من حولها هواتفهم المحمولة، يقرأون الأخبار، يؤرجلون ويلعبون الشدة. حتى يسبب لها النص اغترابًا يدفعها للهرب إلى عالم الرواية الموازي، حيث تستدعي البطلين تيسير وعربي من غيابهما الطويل، وتستحث لقاءهما، ليستيقظا من الموت على واقع يحمل الكثير من الخذلان ذاته الذي يألفانه.

مشاهد من المسرحية زودنا بها المخرج.

انفعال الجمهور كافٍ كتلقٍ

يصف الناقد المسرحي الدكتور مؤيد الحمزة هذا اللقاء بين البطلين بأنه صدى معاصر لأسئلتنا المؤجلة التي أثارتها فينا الرواية. يراهن هنا العمل المسرحي على التلقي النقدي للمشاهد، ويقول بأن العمل لم يتخلّ عن تجديده على مستوى الدلالة والبناء، لكنه احتفظ في الوقت نفسه برهانه الأخلاقي والفكري فيها. فهو بصيغته الدائرية هذه يراكم إشارات وصور وأصوات متعددة تضع المتلقي أمام احتمالات مفتوحة الدلالات، ما يفتح مساحة التأويل بحرية أمام المتفرج.

تنوّعَ تلقي العمل بين الفكري النقدي من جهة والعاطفي البحت من جهة أخرى. يتفهم قبيلات صعوبة تلقي هذا العمل، إذ أنه أصلًا كان صعبًا عليه إنجازه، بسبب صعوبة الرواية، ولذا سيكون صعبًا على مستوى البنية والسرد والتعبير. لكنّه مع هذا لا يعفي نفسه من مسؤولية وصوله للجمهور، بغضّ النظر عن خلفيته الثقافية والفكرية. «كنت حذر وخايف إنه العمل بهاي الطريقة ما ينفهم، لكن على الجانب الشعوري والانفعالي هضمه الجمهور». يقول قبيلات إنه لا يمكن تبسيط العمل بحجة أن الجمهور لن يفهمه، لذلك عمل على خلق معادلة متوازنة، تُراعي البساطة بالقدر الذي يليق بالرواية وعمقها. «وضعت نصب عينيّ الرواية، وحاولت أن أكون صادقًا مع تيسير السبول فيما أنتج».

ولنفس السبب أخذ المخرج الكلام كما هو تمامًا من الرواية، دون إضافة كلمة واحدة له، وكأنه يريد أن يقول إن هذا ما قاله تيسيير قبل ستين عامًا. لا تسمعونا نحن، بل اسمعوا ما حاول هو قوله. ليكتفي بالعمل على إخراج مشهد بصري يتمكن من حمل ثِقل نص روائي على قدر كبير من الجرأة والوضوح. ويصنع جسرًا بينه وبين المشاهد.

مشاهد من المسرحية زودنا بها المخرج.

تظهر الشخصيات في العمل دون أن تحمل إحداها وزنًا أكبر من الأخرى، وتقوم بدورها بشكل متكافئ، لتحمّل الحالة الانفعالية الوزن الأكبر. فيتمكن المتفرج من التفاعل معها حتى وإن لم يتمكن من تأويلها بشكل فوري. 

لعب الممثل مصطفى أبو هنود ثلاثة أدوار في المسرحية، يصفها بأنها منفصلة بشكلها إلا أنها تتصل بصفة واحدة وهي الاستبداد. وقد حملت تلك الشخوص الكثير من رمزية ترتبط بوعي يراكم الهزائم اجتماعيًا وثقافيًا، تبدأ حالة الاستبداد هذه مع شخصية الأب الذي هو نتيجة نكبة عام 1948. وبالتالي يحمل في طياته ثقافة هزيمة جيل كامل، يلقيها من خلال تسلطه وذكوريته في ممارساته اليومية. ثم ينتقل لشخصية المحقق صاحب السلطة الأمنية، الذي يمتلك أسباب ظهوره وإساءة استعماله لسلطته هو الآخر، والذي يبرر كل عنف يرتكبه بخدمته للوطن وحمايته أبناء شعبه، لا من أي تهديد حقيقي خارجي. لتتوج حالة الاستبداد والعنف هذه بشخصية الجنرال المتعطش لدمائنا، والذي يظهر بعين واحدة، كصورة عشعشت في أذهان جيل سابق، ولكنه اليوم ليس موشيه ديان، بل هو ذاته -لجيل الحضور- «نتنياهو» دون أي تغيير، بكل إجرامه. يستحم المجرم بدمنا ويشربه بنشوة كبيرة، دون أي رد فعل رسمي يليق بهذا الإجرام.

يحكي أبو هنود عن أن الحفاظ على معنى هذه المشاعر على المسرح والقدرة على إظهارها بصورتها التصاعدية أمر احتاج منه العمل على بناء الشخصيات بتاريخها وكل تفاصيل حياتها، ليتمكن المتلقي من تلقف هذه المشاعر والتعامل معها. 

ويضيف أن المخرج كان منفتحًا على آراء الممثلين، ووثِق بقدرتهم على اختيار الطريقة التي سيلعبون فيها أدوارهم، ما منحهم مساحة واسعة للتحسّن من كلّ بروفا. وقد أخذت النقاشات التي انغمس بها فريق العمل أشكالا كثيرة. منها نقاشات على صعيد اللغة وتأويلات ما قصده تيسير في نصوصه، وتوسعت لتشمل ما هو سياسي راهن، وكيف تغيّرت نفسية العربي عبر السنين.

يقول قبيلات إن الفريق حرص كثيرًا على الصورة التي سيبدو فيها عربي، فعلى الرغم من امتعاضه من كل شيء حوله، وحالة الهجاء اللاذع التي يعيشها إلّا أنه لم يكن إنسانا مهزومًا أبدًا، ولا سلبيا في مواقفه من الأشياء. وهنا كان فريق المسرحية حريصًا ألّا تصل للجمهور صورة بخلاف ذلك، وإنما صورة «عربي» ينقد الواقع لتصحيحه، منطلقًا من أمل لا يخبو بالتغيير ومن حب متجذر للبلاد.

يؤكد أبو هنود على الفكرة ذاتها قائلًا إننا لا نتغنى بالهزيمة ولا نجلد ذواتنا، وإنما نفهمها لنستعيد حضورنا في ظل هذا الخراب، ونحاول تحمل مسؤوليتنا قبل أي شيء آخر. العرض، الذي يأتي بزمن تسطيح كل شيء وتجريده من معناه، يُحرّض الجمهور على التفكير من جديد. ويسعى للإجابة على سؤال طرحه سبول سابقًا: «شعب نحن أم حشية قش يتدرب عليها هواة الملاكمة؟».

مشاركة:
\n

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤