اننا نحتاج الى ثقافة فنية
ياسين طه حافظ
وان كنت منشغلاً في الشأن الادبي، كتابة او نقداً، فهذا الشاغل لا يجعلني بعيداً منقطعاً عن حركة الفنون وعلاقات الفنون بمجمل الحراك الثقافي في الوسط الذي نعيش ونكتب فيه. مهم ان نقول ان حركة تطور الفنون مقياس جيد لا يخطيء لمدى حيوية الثقافة في البلد وما يشغل هذه الثقافة من مستجدات الفنون والافكار.
الحديث في اي فن، والاكثر في الرسم والموسيقى، انك لا تفهم فنية العمل ومضمونه، ان لم تكن ذا ثقافة فيه. عدا هذا سيكون الحديث هامشياً او بطراً.
وهنا ادخل الى ما اردت الاشارة الى اهميته او ايضاحه: اننا نحتاج الى ثقافة فنية. بغيرها سيظل الفن بلا جمهور غير العاملين فيه وهو جمهور محدود العدد جداً لا يكفي، ولا يتناسب، وما يتمناه ويعمل من اجله الفنان. فليس شيئاً ساراً ان ترى معرضاً للرسم فارغاً الا من بضعة يتأملون وبضعة يتسكعون، ينظرون نظرات فارغة او يتوقفون عند ما هو غير مهم. اي يتوقفون عند حدود ثقافتهم!
اذاً ثمة حاجة الى ما يجعل للفن ساحة فعلٍ. ليس جميع الناس، ولا جميع المثقفين، يتعمدون الوصول، او الاهتمام بالثقافة الفنية. ما العمل اذاً؟
حسمَ هذا الإشكال نفرٌ كريمٌ معنيٌّ من نقاد الفن، ونقاد الفن في الصحف! وهذا هو تماماً ما اردت ايضاح اهميته.
اعني اهمية الدور التثقيفي الذي يقومون به. هم يهيؤن جمهوراً متفهِّماً، او متذوقاً، للعمل الفني. وهم ايضاً يشيرون الى ما انتبهوا اليه، نقداً فنياً متخصصاً لتلك اللوحات ولكي يجد الفنان من يهتم به، او يرى هو ما فاته. أيضاً، قد يُسَرّ بما اثار اعجاباً وكشف فلسفة. او بعداً او حتى ذكاءاً ومهارة في الانجاز. ليس هذا حسب، ولكن وجدتْ اللوحة ووجد الفن مساحة عمل ووجد مدى لحضوره وجمهوراً يحتفي بما أُنجز. اللوحة الان تحيا وتتحرك وتؤثر وثمة من تبهجه هي ويبتهج هو بحضورها في المعرض- او بالحياة. فالدور الذي يؤديه الاصدقاء نقاد الفن، وعلى التعيين نقاد الفن في الصحف، هو دور الوسيط، ودور المعلم، ودور الناقد المتخصص ايضاً. والجدوى المتحققة، لا للوحة او للرسام او لعموم العمل الفني حسب، لكن هناك دوراً اساسياً آخر هو صناعة جمهور. وصناعة ثقافة فنية لتجد اللوحة عندئذ عالماً تعيش وتنتقل وتؤثر فيه. هي لن تبقى بعد حبيسة جدار قفر. هي صارت في عقول وارواح ناس كثيرين يعرفونها ويحبونها وهي فيه سكينتها الجميلة الباذخة لا تدري.
يوماً، وقبل سنتين او ثلاث نشرت مقالة في "المدى"، أعادت نشرها صحف اخرى، بعنوان، "ارستقراطية الفن" تحدثت فيها عن حرمان جماهير الشعب الواسعة عن متعة وجمال الفن، وان المتاحف و القاعات لنخبة ضيقة، بعضهم مثقفون معنيون، وبعض مجاملون، وبعض قليل آخر من عوائل ارستقراطية محددة تتذوق وتهتم، او تتظاهر بالاهتمام، باجواء الحضارة المتقدمة، حفلات موسيقية وفنون.. ومع احترامنا لحضورهم وللمهتمين الحقيقيين منهم، هم جمهور محدود جداً، هم افراد او عوائل تقل يوماً بعد يوم ولا تزداد، بحكم تدهور الذائقة وتغير او سقوط الاهتمامات والاتساع المخيف للاستهلاك واللامعنى…
يذكر الناقد الفني ريجارد كورك. Richard Cork بان محرر صحيفة ستاندرد كلفه يوماً بمراجعة ما يصدر من فنون. لكنه ما كان يريد هذا، يريد مناقشة وكشف تطورات الفن للجمهور. وان يقدم ثقافة فنية تلبّي الحاجة الملحة، والتي تبدو حادة، بالحداثة وبالجديد. فالمراكز القاعات الفنية اخفقت في مد خطوط التواصل مع اتباع الحداثة، فضلاً عن الهبوط الواضح للنقد عنها..
هكذا اذاً، ضيق حدود النقد وفشله في التقرب من مستوى تقدم العمل، ابعدا المثقفين، فضلاً عن عموم الناس عن الفن الحديث. هذه اسباب كافية لخلق عزلة، لصناعة منفى للفن الحديث والذي في حال كهذه، صار الغريب الطاريء بدلاً من ان يكون الجديد القادم المرحّب به، والذي نستقبله بفرح.
الاخير المرحب به، لا يأتي مجاناً ولا بسهولة هذايحتاج الى عاملين مخلصين ومفعمين حدّ الاشعاع بالثقافة الفنية.
لا اكتمكم محبتي وإكباري للاصدقاء الذين يكتبون نقداً فنياً في الصحف ويثقفون الناس بما يجعلهم يفهمون الدلالات المتوالدة ويقدرون بامتاع براعات مبدع اللوحة واتجاه عمله ومدى التجديد او الابداع فيه. هو عمل مجيد منكم ايها الاصدقاء، انتم تؤسسون ثقافة فنية وتصنعون للوحة عالماً تعيش وتُفْهَم فيه.
وإن كان هزال بعض النقد والضعف الواضح في ثقافة كاتبه، يربك الرؤية بدلاً من ان يمكّن القاريء –او الرائي- من الفهم السليم الراقي. هو يسيء الى اللوحة والرائي ويضر بالثقافة الفنية. نريد فهماً لا هلوسة. ونريد شعوراً بمسؤولية الكتابة واهميتها، فلا يدمر الفن شيءٌ مثلما يدمره هذا اللغو!
صحفياً، اتمنى ان يكون اهتمام الصحف جوهرياً، اعني ان يكون عملاً لصناعة ثقافية فنية، لا ان تنشر كتابات لسدّ الفراغ في الصفحة. الفن موضوع الثقافة الاول وظاهرة التحضر الاولى ومجد الشعوب الذي يبقى. عمل جيد ومحترم ما تقوم به الصحف حين تعطي صفحة كاملة، وصفحة متميزة، سيادية، لناقد فني يقدم فيها رسّامَه المفضل وثقافته. هو عمل ثقافي وراءه إدراك لأهمية ان يوجد جمهور فني. وإلا لمن يرسم الرسام ولمن يقدم الموسيقي عمله ولمن يمثل المسرحي ويكتب؟
ما أقوله بعد هذا هو ان النقد الفني في صحفنا ما يزال قليلاً. ايضاً، وهذا مؤسف، نقاد الفن الجيدون ما يزالون بضعة، معدودين والمساحة الفنية واسعة وتريد المزيد..
ان ما يتوافر من نقد فني في الصحف اليومية ليس بديلاً عن مجلات فنية متخصصة.. ولكن بلا جمهور معني بالفن، صعب وجود مجلات فنية ناجحة بورقها الممتاز وبالالوان، ولا احد مستعد لتحمل خسارة. فليكن ما في الصحف البديل والمؤسس والصانع لجمهور مهتم. واخيراً هي مناسبة انتظرها، لاحيي كتّاب النقد الفني في الصحف، فليس لدينا سواهم، وإلا ظل الفن وحيداً في الساحة، والناس منشغلون بما لا يتطلب نظراً صامتاً او ثقافة!
The post اننا نحتاج الى ثقافة فنية appeared first on جريدة المدى.




