انكسار الهيبة في قواعد الاشتباك الجديدة
سيف الحمداني
لطالما سادت قناعة في الأدبيات السياسية والعسكرية أن القواعد الأمريكية المنتشرة في خارطة الشرق الأوسط تمثل "نقاطاً حصينة" تمنح واشنطن اليد الطولى والقدرة على التدخل السريع. بيد أن التقرير الأخير الذي أوردته شبكة NBC News، والذي كشف حجم الدمار الحقيقي في القواعد العسكرية بالخليج، يمثل لحظة فارقة في قراءة الواقع الميداني؛ فنحن الآن أمام تحول استراتيجي في قدرة الخصوم على اختراق المستحيل وتحويل مراكز القوة إلى أهداف هشة تحت الضغط، بعيداً عما حاولت الماكينة الإعلامية الغربية تصويره كمناوشات محدودة.
من يراقب آليات صناعة التضليل التي تتبعها مراكز القرار الدولي، يدرك أن إخفاء الحقائق يتجاوز كونه إجراءً أمنياً لحماية الجنود، ليصبح عقيدة اتصالية تهدف لترميم صورة الردع المتآكلة، لجوء القوات الأمريكية إلى فنادق مدنية ومكاتب بديلة في المدن الخليجية، بعد تضرر قواعدها الحيوية، اعتراف ضمني بحدوث انقطاع في التوازن اللوجستي، هذا الانتقال القسري من القواعد الذكية إلى المباني المدنية يعكس حالة إرباك لم تعهدها الجيوش النظامية الكبرى، وقد حاولت واشنطن تغليفه لشهور بصمت إعلامي مطبق، تحسباً لارتدادات هذه الحقيقة على حلفائها في المنطقة وعلى الرأي العام الأمريكي.
النقطة التي توقف عندها المحللون العسكريون بكثير من الريبة، تكمن في قدرة مقاتلات من طراز F-5 Tiger و F-4 Phantom على اختراق جدار الحماية الجوية الأكثر تعقيداً في العالم، نحن هنا لا نتحدث عن صواريخ باليستية عابرة، وإنما عن طائرات تنتمي تقنياً لجيل مضى عليه أكثر من خمسة عقود، نجاح هذه المقاتلات في الوصول لعمق القواعد وتنفيذ ضربات دقيقة، كما وثقته المقاطع المنشورة في الأول من آذار، يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى المليارات المستثمرة في منظومات باتريوت وثاد.
تفسير هذا الاختراق يذهب لضعف التكنولوجيا الأمريكية من جهة، ولتطور العقل العملياتي للطرف الآخر من جهة ثانية، إذ استطاع تحويل أسلحة متقاعدة إلى أدوات اختراق ذكية قادرة على تحييد الرادارات المتطورة عبر الطيران المنخفض والتكتيكات غير التقليدية، ما ينسف أسطورة التفوق التكنولوجي المطلق.
توقيت تسريب هذه المعلومات عبر وسيلة إعلامية رصينة مثل NBC، يوحي بوجود تصدعات داخل الدولة العميقة في الولايات المتحدة، فبينما يصر الجناح السياسي على استمرارية الوجود بالصيغة القديمة، يبدو أن الجناح العسكري والاستخباري بدأ يدق ناقوس الخطر حول كلفة البقاء، بالنسبة للعراق والمنطقة، تعيد هذه المعطيات رسم صورة القوة؛ فالمظلة الأمريكية التي كان يُنظر إليها كدرع لا يُخترق، باتت تعاني من ثقوب واضحة.
هذا التحول سيفرض على دول المنطقة إعادة حساباتها، فالحماية العاجزة عن حماية مهاجع جنودها ومراكز قيادتها، قد لا تضمن أمن حلفائها في مواجهة أي تصعيد شامل. لقد دخلنا مرحلة ما بعد القواعد التقليدية، حيث تصبح الجغرافيا الواسعة عبئاً لا ميزة، وتتحول القواعد الثابتة إلى مجرد صناديق بريد لرسائل الخصوم النارية.



