انقسام القضاء في ليبيا.. صراع الشرعية يصل أعلى هرم المؤسسة القضائية
لم يعد الانقسام في ليبيا حكراً على السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ نخرت الجسم القضائي، آخر الحصون التي ظلت متماسكة خلال عقود ماضية.
في طرابلس، ظهر عبدالله أبورزيزة بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء، خلال اجتماع ضم مسؤولي التفتيش القضائي ورؤساء الأقسام، لبحث إشكاليات سير العمل.
بالمقابل، عقد عبدالفتاح القوي، بصفته ذاتها، لقاءً موازياً في البيضاء مع قضاة محاكم الاستئناف، مؤكداً ضرورة تحييد القضاء عن التجاذبات السياسية.
وتعود شرارة الخلاف إلى تحركات نوري عبدالعاطي، الذي تسلّم مقر المجلس في فبراير الماضي استناداً إلى حكم صادر عن المحكمة العليا، وهو ما اعتبره القوي اقتحاماً وانتحالاً للصفة.
ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ اتخذ القوي سلسلة قرارات بنقل إدارات قضائية إلى بنغازي، في خطوة عمّقت الانقسام داخل المؤسسة، ورسّخت واقع ازدواجية القرار القضائي بين الشرق والغرب.
ويعود أصل النزاع إلى حكم قضائي أبطل تعديلات على قانون النظام القضائي، وأوقف إنشاء محكمة دستورية في بنغازي، ما فتح الباب أمام صراع مفتوح حول الشرعية داخل أعلى هرم القضاء.
ودخلت الأزمة القضائية منعطفاً أكثر تعقيداً عقب صدور حكم عن المحكمة الدستورية العليا يقضي بعدم دستورية قرار تعيين المستشار عبدالله أبورزيزة رئيساً لمحكمة النقض. وقد صدر الحكم من بنغازي بناءً على طعن تقدم به عشرة أعضاء من مجلس النواب، ما أضفى بعداً سياسياً واضحاً على مسار النزاع.
كما قضت المحكمة، في دعوى أخرى رفعها رئيس مجلس النواب، بانعدام الحكم الصادر عن محكمة النقض، لعدم اختصاصها بالفصل في الدعاوى الدستورية، وهو ما اعتُبر تحدياً مباشراً لسلطة القضاء في طرابلس.
وبحسب مراقبين، فإن هذا الحكم يعني عملياً تجريد أبورزيزة من شرعيته في نظر القضاء بالشرق الليبي، بما يكرّس حالة الانقسام المؤسسي، ويحوّل القضاء من سلطة محايدة إلى طرف في الصراع السياسي.
في المقابل، كانت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس قد أصدرت حكماً بعدم دستورية أربعة قوانين صادرة عن مجلس النواب، مع ما يترتب على ذلك من إلغاء القرارات والتشريعات اللاحقة، بما في ذلك تعديلات قانون النظام القضائي وتشكيل المجلس الأعلى للقضاء.
وقد أثارت هذه الأحكام جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية، حيث اعتبرها بعض القضاة والحقوقيين أحكاماً مسيّسة تستهدف وحدة المؤسسة القضائية، فيما رأى فيها آخرون انتصاراً لمبدأ استقلال القضاء، باعتبارها تعيد رئاسة المجلس الأعلى للقضاء إلى رئيس المحكمة العليا، وتحدّ من تدخل السلطة التشريعية في شؤونه.
ويشير متابعون إلى أن الدائرة الدستورية لطالما وُصفت بأنها في حالة خصومة مع مجلس النواب، منذ حكمها ببطلان انتخابات المجلس، وهو ما تفاقم مع إنشاء محكمة دستورية عليا في بنغازي تنازعها الاختصاص، في ظل غياب جهة قضائية عليا تفصل هذا التنازع.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن القضاء الليبي دخل مرحلة غير مسبوقة من الانقسام، حيث لم يعد الخلاف مقتصراً على التأويل القانوني، بل امتد ليشمل بنية المؤسسة نفسها، ما يهدد أحد أهم ركائز الدولة ويضع مستقبل العدالة في ليبيا أمام تحديات معقدة.
ظهرت المقالة انقسام القضاء في ليبيا.. صراع الشرعية يصل أعلى هرم المؤسسة القضائية أولاً على أبعاد.




