أنا ثم أنا وأنا
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
سارة النومس شركة مايكروسوفت المرعبة، كانت في عام 2014 في أوج نجاحها. ولنأخذ الأمر ببساطة: هي في النهاية شركة عملاقة، ومن الطبيعي أن تُعاني كغيرها من خوف الموظفين والمسؤولين من الخطأ، ومن منافسة داخلية خانقة تقود غالباً إلى نتائج محبِطة، ومن قيادات تدافع عن أفكارها أكثر مما تسمع أو تدعم موظفيها. أما العبء الأثقل، ذلك الذي نكرهه جميعاً، فهو ثقافة: (أنا أعرف كل شيء) تلك الثقافة التي تقتل الإبداع بهدوء. في ذلك الوقت، تولّى ساتيا ناديلا، منصب الرئيس التنفيذي. وبدلاً من أن يبدأ بإقالات جماعية كما يفعل كثير من الرؤساء، لم يلجأ إلى سيف السلطة، ولم يستعرض قوته، على العكس، أطلق رسائل واضحة تُظهر دعمه لموظفيه لا تسلّطه عليهم. وكانت البداية حين قال، في أول اجتماع مع كبار المدراء، بما معناه: (مشكلتنا ليست في التكنولوجيا، بل في طريقة تفكيرنا). قاد ناديلا، تحوّلاً عميقاً في منظومة العمل، نقلها من عقلية (أنا أعرف كل شيء) إلى وعي جماعي يقول: (نحن نتعلم دائماً) هذا التحوّل غيّر شكل النقاش في الاجتماعات، والخطأ لم يعد وصمة عار أو فضيحة، بل فرصة للتعلّم. تغيّرت علاقة المدير بموظفيه، وتبدّلت أيضاً علاقته بنفسه؛ فأصبح يسأل بدل أن يُملي، يستمع بدل أن يدافع، ويعترف بجهله بدل أن يخفيه خلف أقنعة زائفة. لاحقاً، وثّقت دراسات قيادية كثيرة هذا التحوّل الثقافي القائم على التواضع، وضبط «الأنا»، والذكاء العاطفي وكانت النتيجة عودة الابتكار إلى مايكروسوفت. اشتكت لي إحدى الصديقات من انعدام الإبداع في عملها، وقالت إن دورها اليومي لا يتجاوز أن «تُبَصِّم» حضورها، ثم تجلس في مكتبها تتابع مقاطع الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي. أما المهام الحقيقية، فهي موزعة على الحاشية الضيقة جداً المحيطة بالمدير. أخبرتني أن من أبرز صفاته البحث الدائم عن أخطاء موظفيه وعيوبهم واستغلال ظروفهم الأسرية في الضغط عليهم والشكوى ضدهم باستمرار، وأن أقصى «جهد إشرافي» يمكن أن يقوم به هو التصدي للوساطات التي تحاول إخماد نار الحرب المشتعلة بينه وبينهم. قلتُ لها بصراحة: لا تبدّدي طاقتك مع شخصية فاشلة كهذه. إن كانت لديك واسطة تُمكّنك من الانتقال إلى قسم آخر، فافعلي. وإن لم تستطيعي، فاستقيلي بأسرع وقت ممكن. بعض المدراء (ودون مبالغة) يعانون من أمراض نفسية. لا أدري: هل من متطلبات المنصب أن يكون المدير مثقلاً بعُقده؟ أم أن رهبة السلطة وارتفاع (الأنا) هو ما يُنتج تلك العُقد؟ فتاة تعمل في شركة أجنبية روت لي معاناتها مع مدير جديد، كان أول ما فعله هو فصل عدد من الموظفين، جميعهم من جنسية واحدة، ثم اعترف لاحقاً ودون خجل أنه يكرههم بلا سبب. تخيّلوا فداحة أن يُسلَّم المنصب لمَنْ لا يليق به. والمصيبة الأكبر أن كثيراً من الجهات والمؤسسات، وحتى الشركات الكبرى، تقع في خطأ جسيم: تدريب المدير على فنون الإدارة بعد تولّيه المنصب. لهذا نرى بعض الموظفين الواعين يسبقون الزمن، فيسجّلون أنفسهم في دورات الإدارة، والذكاء العاطفي للقيادة، ومهارات اتخاذ القرار والتفكير النقدي، والقيادة الأخلاقية والمسؤولية المؤسسية، والتدريب الإرشادي للمدراء، وغيرها من الدورات الجوهرية التي يجب أن يتعلمها مَنْ يستعد ليكون مديراً يوماً ما. عليه أن يتعلّم من أخطاء مدراء في أنحاء العالم أخطاء تتكرّر ولا يتعلّم أصحابها منها. حتى بات بعض الناس يقول، بخيبة أمل مريرة: إن المدير الإنساني والناجح، الذي يريد الخير للمنظومة لا لنفسه فقط، غير موجود أصلاً. الحقيقة أن الحل ليس مستحيلاً، ما نحتاجه هو معايير واضحة، ثابتة، وعادلة لاختيار القيادات؛ معايير تُقدّم الكفاءة والوعي الذاتي والذكاء في الإدارة بدلاً من الأهواء الشخصية، وعلى سؤال: ما اسمه الأخير ومن أقاربه. أكثر الأشخاص المبدعين في العمل والمحبوبين من زملائهم أكثرهم بعداً عن المنصب. واقع يثبت فشل غالبية المنظومات في العالم.



