... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
137339 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7136 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

أمريكا وإيران والتحول التاريخي وهوس التكرار؟

العالم
jo24
2026/04/08 - 19:44 502 مشاهدة

خارج النص -حلمي الأسمر 
في عدد حديث من مجلة «نيو ستيتسمان»، يقدّم الفيلسوف البريطاني جون غراي قراءة ثقيلة الدلالة للحظة التي تتشكل أمامنا، حيث لا تعود الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية، بل تتحول إلى علامة على انعطاف تاريخي عميق في بنية النظام العالمي، وإلى مرآة تكشف خللاً أعمق في عقل القوة الأمريكية نفسها. ينطلق غراي من توصيف الحرب التي خاضها دونالد ترامب بوصفها «نزهة صغيرة»، ليبيّن كيف تحولت هذه «النزهة» إلى مسار انحداري، انتهى إلى عكس ما كان مرادًا لها، فلم تُدمَّر إيران، ولم يتم  استعادة التوازن، بل فُتح باب لا يمكن إغلاقه بسهولة، حيث أصبح مضيق هرمز ساحة اختبار يومي لحدود القوة الأمريكية، لا لهيمنتها.

في هذا السياق، يطرح غراي مفارقة تكاد تختصر المشهد كله: إيران، التي كان يُراد تحجيمها، خرجت من الحرب أكثر حضورًا وتأثيرًا، ليس لأنها انتصرت عسكريًا بالمعنى التقليدي، بل لأنها أصبحت تمتلك القدرة على تهديد شريان الطاقة العالمي، وهو ما يكفي لتحويلها إلى لاعب لا يمكن تجاوزه في الاقتصاد الدولي. بعبارة أخرى أسد قسوة: بدلا من تغيير النظام الإيراني أو احتوائه على الأقل.. بدأ أنه هو الذي احتوى الاقتصاد العالمي كله! فضلا عن أنه لم يسقط لا حرج أكثر قوة رغم كل التدمير الذي أصيبت له بناه التحتية؛ هنا، لا تعود القوة مسألة تفوق عسكري صرف، بل تتحول إلى قدرة على التعطيل، على جعل العالم كله رهينة لقرار واحد، وهو ما يضع الولايات المتحدة في موقع دفاعي لم تعتده، ويجعلها تتصرف داخل معادلة لا تتحكم في قواعدها.

ويمضي التحليل إلى ما هو أبعد من ساحة المواجهة المباشرة، حيث يرى غراي أن هذه الحرب قد ضربت الأسس التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية منذ عقود، وفتحت المجال أمام قوى أخرى لإعادة رسم موازين النفوذ. فحين تنشغل واشنطن وتستنزف مواردها، لا يبقى العالم في حالة انتظار، بل تبدأ قوى كبرى بالتحرك، مستفيدة من الفراغ ومن تراجع القدرة الأمريكية على الردع. وهنا يتبدى التحول التاريخي: عالم لم يعد يدور حول مركز واحد، بل يتشكل من مراكز متعددة، تتقدم فيه القوى الإقليمية والدولية على حساب القوة التي اعتادت أن تقود المشهد منفردة.

غير أن غراي لا يكتفي بهذا التفسير الجيوسياسي، بل يذهب إلى مستوى أعمق، مستدعيًا مفهوم «هوس التكرار» عند سيغموند فرويد، ليقرأ من خلاله سلوك ترامب، معتبرًا أن ما يحدث ليس فقط خطأ في الحسابات، بل تعبير عن اندفاع نفسي لإعادة تمثيل ماضٍ متخيل عن عظمة أمريكية مطلقة. في هذا الإطار، لا تكون القرارات نتاج تحليل عقلاني بارد، بل استجابة لرغبة داخلية في إعادة إنتاج صورة قديمة، حتى وإن كانت الظروف قد تغيّرت جذريًا. وعندما يصطدم هذا الوهم بواقع معقد ومقاوم، تكون النتيجة اندفاعًا غير منضبط، يفاقم الأزمة بدل أن يحلها.

وفي قلب هذا المشهد المتشابك، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن بنيامين نتنياهو لم يكن بعيدًا عن هذا المسار، بل كان أحد أبرز من دفعوا إليه، حتى بدا وكأن ترامب قد جُرّ إلى هذه الهوة جرًا، ليجد نفسه ومعه نتنياهو في مأزق واحد، يتقاسمان نتائجه الثقيلة. فالحرب التي كان يُراد لها أن تعيد تثبيت الردع تحولت إلى فخ مزدوج، حيث لم تعد الخسارة محتملة من طرف واحد، بل أصبحت شبحًا يلاحق الطرفين معًا، في لحظة تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع الأوهام الشخصية، وتتكشف فيها حدود القوة حين تنفصل عن الواقع.

بهذا المعنى، لا يقدّم جون غراي مجرد تحليل لحدث سياسي، بل يرسم ملامح تحول تاريخي يتجاوز الأشخاص والدول، حيث تبدأ الإمبراطوريات بالتراجع حين تعجز عن فرض نتائج حروبها، وحين تتحول قوتها من أداة للحسم إلى عبء يجرّها نحو استنزاف مفتوح. إنها لحظة يكشف فيها الواقع قسوته، وتسقط فيها الأوهام، ويظهر فيها أن العالم دخل طورًا جديدًا، لا مكان فيه لهيمنة مطلقة، ولا لقرارات تصدر من وهم القوة دون أن تدفع ثمنها كاملًا.

هامش:
جون غراي هو فيلسوف ومفكر سياسي بريطاني بارز، عُرف بانتقاداته الحادة لفكرة التقدم الليبرالي وللرؤية الغربية للعالم، وله مؤلفات عديدة في الفلسفة السياسية وتحليل الحداثة. أما مجلة «نيو ستيتسمان» فهي مجلة بريطانية عريقة تُعنى بالسياسة والفكر والثقافة، تأسست مطلع القرن العشرين، وتُعد من أبرز المنابر الفكرية في أوروبا.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤