الزنزانة التي أنجبت ثلاثية «المرايا»: هكذا خرجت روايات باسم خندقجي من الأسر
عند السادسة والنصف صباحًا، في السابع من تشرين الأول عام 2023، أيقظَ أحد الأسرى في الزنزانة باسم خندقجي وهمس له: «في هجوم كبير من غزة، وفي أسر لجنود صهاينة». اجتاح هذا الخبر نفوس كل سكان الزنازين، لتمتزج مشاعرهم الفرحة والمنذهلة بالخوف من أن الثمن قادم لا محالة.
كان رد فعل الاحتلال الإسرائيلي متمثلًا في إدارة السجون سريعًا. فعقب ساعات قليلة، صُودرت أجهزة التلفزيون والمذياع، وفُعّلت أجهزة تشويش قوية في محيط السجن عطَّلت كل الهواتف الخلوية المهرّبة، وفُرضت عزلة شبه كاملة على الأسرى عن العالم الخارجي. بدا الأمر وكأن المكان أُعيد تصميمه فجأة ليصبح أكثر صمتًا وعداءً للمعرفة الخارجية.
يقول خندقجي إن «الحركة الأسيرة دخلت، منذ ذلك اليوم، طورًا مختلفًا عمّا عرفته سابقًا. مرحلة تتكثّف فيها أدوات القمع، ويصبح كل إنجاز رمزي أو ثقافي عبئًا إضافيًا على صاحبه». تزامنَ هذا مع وصول روايته «قناع بلون السماء» إلى قوائم جائزة البوكر العربية الطويلة عام 2024، ثم القصيرة، قبل أن يفوز بها لاحقًا. ومنذ ذلك الحين، تغيّر التعامل معه داخل السجن، إذ بدأت تهديدات إدارة السجن وتزايدت المضايقات، ثم جاء العزل الانفرادي.
يروي خندقجي أن قوّة من السجّانين قد اقتحمت زنزانته في أيار 2024، ثم اقتادته إلى تحقيق في جهاز الشاباك (الأمن العام) حيث حقّق معه: «كيف كتبت هذه الرواية؟ كيف أخرجت المسودة؟ مَن ساعدك بالسجن؟». وبدا الاستجواب محمّلًا بغضب معرفي أكثر منه أمنيًا؛ موضحًا أن سبب غضبهم كان من فكرة أن يكون أحد الأسرى قادرًا على إنتاج خطاب ينازع الرواية الاستعمارية ذاتها. وعقب التحقيق عُزل، بعدما «ضُرِب وحُطمت نظارته».
واحد وعشرون عامًا من الأسر
قضى خندقجي المولود عام 1983، ربيع عمره داخل حيّز مكاني مصمَّم بعناية لتفكيك الذات. فمنذ أوائل عشرينياته، كان يقضي حكمًا بالسجن المؤبد ثلاث مرات بتهمة «مقاومة الاحتلال والمشاركة في عملية فدائية»، نفذها فلسطيني من بلدة أبو ديس شرق القدس المحتلة، وأسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة قرابة 30 آخرين.
ذلك الحيز جرى بناؤه من الحديد والأسمنت والأبواب الفولاذية المغلقة دائمًا والألوان الباهتة على الجدران والإضاءة التي لا تنطفئ والاكتظاظ المقصود للزنازين والضوضاء المتعمّدة ليل نهار والمداهمات الليلية المتكررة. ويلخص باسم تفاصيله في أنها أدوات ضمن معمار قمعي هدفة كسر الإيقاع الداخلي للحياة ومنع أي إمكانية للاستقرار الذهني أو التركيز الطويل.
طوال واحد وعشرين عامًا من الأسر، كان خندقجي يتنقّل بين أكثر من تسعة سجون إسرائيلية، بين زنازين العزل الانفرادية والزنازين الجماعية، قبل أن يُحرّر في صفقة «طوفان الأحرار» من سجن رامون الصحراوي في تشرين الأول عام 2025؛ أحد أكثر سجون الاحتلال قسوة وسوء سمعة. ويعزو ترحيله المستمرّ إلى أنه جزء من سياسة متعمدّة تلجأ لها إدارة السجون، خاصة مع الأسرى ذوي التأثير التنظيمي والثقافي لكي تمنعهم من تكوين أي حالة جماعية مستقرة أو بناء مقاومة داخلية.
اقرأ/ي أيضا:
وليواجه هذا التفكيك الممنهج، ابتكر باسم ما يسميه «الاستقرار الاصطناعي»، القائم على تحويل المؤقت إلى دائم، والمتغير إلى ثابت. بمعنى أن كل سجن يُنقل إليه، حتى لو لأيام أو أسابيع، كان يعتبره مكانه النهائي، وأن عليه أن يبني داخله شروط الحياة التي تسمح له بالعمل. هذا الاستقرار كان مناورة من باسم ضد السجن نفسه.
وقد اعتمد طوال السنوات الماضية على نظام صارم من الطقوس اليومية: الكتابة فجرًا قبل العدّ الصباحي، وتنظيم دقيق للأوراق والمراجع، وقراءة تمتد لساعات طويلة، وإدارة واعية للوقت باعتباره موردًا نادرًا يجب انتزاعه من قبضة السجّان. هكذا هندس خندقجي سجنه إلى إيقاع إبداعي، وفرض على الفوضى بنية ذاتية محكمة. مُصرًّا على أن هذا الاستقرار لا يعني قبول السجن؛ وإنما بناء مساحة محصّنة لا يسكنها «المشار إليه» رغم بنائها داخله، ولا يسمح لها بأن تكون مركز تجربته. و بدأ الكتابة كوسيلة لإبقاء روحه خارج الأسر وألا تكون انعكاسًا له.
منذ سنواته الأولى في الأسر، قرر خندقجي بناء لغة قادرة على الصمود والمواجهة ليعبّر بها عن أفكاره. ولهذا، سبقت القراءةُ الكتابةَ، فهي شرطٌ تأسيسيٌّ لأي مشروع أدبي يريد الصمود أمام هذا المعمار الهادف لكسر التركيز وتشتيت الوعي. وبمعدل يصل إلى تسع ساعات يوميًا؛ حافظ على القراءة بجدية شديدة. ومن ناحية، كانت قراءته مزيجًا مقصودًا من القراءات المتخصصة في التاريخ والفكر والسياسة، ومن قراءات متنوعة في الأدب والفلسفة والنقد. الهدف، كما يشير، إلى جانب المراكمة المعرفية، تشكيل لغة «مصقولة» قادرة على حمل الأفكار النوعية والمركبة، وتمثيلها سرديًا في قالب أدبي. هذه الجدية كانت ثابتة لا تتغير إلا في لحظات استثنائية، مثل الإضرابات عن الطعام، أو العزل الانفرادي أو النقل لسجن آخر.
أما الكتابة، خاصة الرواية، فارتبط إيقاعها بنضج الفكرة واكتمال مخططها. فحين يقرر الشروع في بدء مشروع رواية، يبني أولًا هيكلها الزمكاني، ثم يصيغ حجّتها الفكرية الأساسية قبل كتابته الجملة الأولى من المسودة. وقد كانت باكورة رواياته «مسك الكفاية» عام 2014، بعد عدة مجموعات شعرية وأخرى نقدية.
دعم أدب الأسرى من الأسر
اتسقت القراءة والكتابة لديه مع محيطه، وسرعان ما حوّل انضباطه الشخصي إلى اشتباك جماعي مع شروط المعرفة داخل السجن. فساهم في تأسيس مكتبات داخل السجون التي تنقّل بينها على مدار سنوات أسره، وفي نشر الأعمال الأولى لزملائه الأسرى.
يقول خندقجي إن الكتب لا تصل إلى السجون الإسرائيلية باعتبارها حقًا ثقافيًا من حقوق الإنسان، وإن وصلت تُعدّ استثناءً هشًا خاضعًا إلى مزاج إدارة السجون وسياساتها المتقلبة. فبعض الكتب كانت تدخل عبر زيارات الأهالي، أو من خلال الصليب الأحمر، أو عبر ممثلي الحركة الأسيرة داخل السجون. مشيرًا إلى أنها تمر عبر سلسلة من الفلاتر الأمنية تنتهي بمنع عناوين بعينها، ومصادرة كتب أخرى من أيدي الأسرى بعد السماح بمرورها، بينما ما يُسمح به يُستنزف سريعًا بفعل التداول المكثّف.
وفي هذا السياق، تتخطى المكتبة كونها رفوفًا للكتب لتصبح بنية مقاومة تُحاول تثبيت المعرفة في حيز صُمم لاقتلاعها من جذورها. وتصبح مكتبات السجون «ذاكرة مشتركة». إذ تُبنى المكتبات ببطء كتابًا بعد آخر؛ رغم المداهمات التدميرية للزنازين والمصادرات. أمّا تبادل الكتب بين الأسرى فينطوي على تنظيم غير معلن؛ فهناك قوائم انتظار، واتفاقيات ضمنية حول أولوية القراءة، ونقاشات تمتد من على هوامش الكتب إلى سكان الزنازين كافة.
ومن هذا الوعي بأهمية البنية الجماعية للقراءة والكتابة، جاءت فكرة مبادرة «صندوق دعم أدب الأسرى» التي أسّسها خندقجي بتمويل من أسرته مالكة «المكتبة الشعبية ناشرون» عام 2013. فهذا الصندوق، ذو الموارد المحدودة، تأسّس لمساعدة الكتّاب الأسرى على نشر أعمالهم الأولى وإعطاء ذويهم مردودها المادي دون التربح منها. لهذا تحمّلت المبادرة تكاليف الطباعة والتوزيع على دور النشر.
بالنسبة لكثير من الكتّاب في سجون الاحتلال، كانت تلك المسودات ستظل حبيسة الدفاتر لولا هذه المبادرة ذات الأثر الواسع، والتي نشرت رواية «تحت عين القمر» للأسير المحرر معتز الهيموني، وكتاب «خارج الصورة» للأسير المحرر محمد المقادمة، وغيرهما. وربما تكمن أهمية تلك المبادرة في أنها تخلخل صورة «الكاتب الوحيد» الذي يكتب ويحرّر مسودته لنفسه؛ لصالح صورة أخرى يتشكّل فيها الكاتب داخل الجماعة، إذ ندرك عبرها أن بقاء المسودات لا ينفصل عن بقاء الآخرين، وأن المعرفة -لكي تنجو- تحتاج إلى حاضنة جماعية بقدر حاجتها إلى الموهبة الفردية.
حماية الرواية حماية للذات الجماعية
بخلاف أن الكتابة، سواء الأدبية أو النقدية، داخل السجون الإسرائيلية محفوفة بالمخاطر، فإن إخراجها هو ذروة هذا الخطر. إذ يعدّ وقتها النص الإبداعي عبئًا أمنيًا، وحمْلًا جسديًا، ومسؤولية جماعية قد تكلّف صاحبها العزل أو الضرب أو إضافة سنوات جديدة إلى مدة محكوميته. لهذا، تتخطى عملية تهريب الكتابات لدى تيار واسع من الكتّاب الأسرى كونها مسألة تقنية فحسب، بقدر ما هي ممارسة وجودية مشحونة بالخوف والانضباط والرهان على الخسران.
يصف خندقجي مسودته بأنها «طفل» معرض للفقد في أي لحظة بسبب المداهمات المفاجئة والتفتيش الليلي والنقل التعسفي، أو الوشاية. لذلك، فإن حماية هذا الوليد تبدأ قبل تهريبه بزمن طويل. إذ تُقسَّم المخطوطات إلى أجزاء متفرقة، ثم تُخفى داخل الزنزانة. ويُعاد كتابة بعض الفقرات -إثر مصادرتها- من الذاكرة، لهذا يُدرِّب «الكاتب» نفسه على أن يكون مخزنًا بديلًا للورق؛ محوّلًا ذاكرته لأداة مقاومة موازية لفعل الكتابة نفسه.
تاريخيًا، طوّر الأسرى الفلسطينيون طيفًا واسعًا من تقنيات التهريب. بداية من الكبسولات الورقية الصغيرة التي تُبتلع أو تُخفى في مناطق جسدية حسّاسة، مرورًا بتسليم أجزاء من المخطوطات لأسير على وشك الإفراج عنه، أو إخفائها داخل الهدايا الرمزية التي يصنعونها بأيديهم ويسلّمونها لذويهم خلال الزيارات. وبينما لكل طريقة مخاطرها الخاصة، وتُفعل بدرجة عالية من الثقة المتبادلة والانضباط الجماعي؛ فإن فشل فرد واحد قد يعرّض الشبكة بالكامل للعقاب.
ومع تطور أدوات المراقبة، تطوّرت بالمقابل وسائل التهريب. ففي السنوات الأخيرة، لجأ خندقجي وآخرون إلى استخدام الهواتف المهرّبة لتصوير الصفحات وإرسالها عبر الإنترنت في توقيتات زمنية محددة، وإلى الإملاء الصوتي عبر مكالمات قصيرة تُجزِّء العمل بعناية. ومع ذلك، لم تلغِ هذه الوسائل الخطر بل أعادت توزيعه؛ محوّلة الخوف من المصادرة إلى الخوف من التتبع التقني. وفي كل الأحوال، تظل الكتابات مهددة، وتظل حمايتها تتطلب الشجاعة اليومية الصامتة.
بالنسبة لخندقجي، لا تنفصل حماية مخطوط روايته عن حماية نفسه. فالمخطوط وثيقة لا يمكن تعويضها بسهولة، لأنها حصيلة سنوات من عمره المسروق، وجهده الذهني المبني ضد الشروط المستحيلة. لهذا، تكتسب عملية التهريب بُعدًا سياسيًا يتجاوز فكرة «إيصال الصوت». فنجاح العملية يمثل انتزاع المعرفة من الفضاء المغلق بالحديد والنار، وكسر احتكار الاستعمار للرواية، وربما يُثبت أيضًا أن سجون الاحتلال -رغم تطور وسائلها القمعية- تعجز عن منع تدفّق السردية المناهضة للاستعمار. هكذا يصبح كل عمل أدبي يخرج إلى النور شهادة على فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه، والتي على رأسها إخراس الأسرى.
«أدب الاشتباك» وثلاثية «المرايا»
قدّم خندقجي في أعماله الأدبية مشروعًا واعيًا يضع السرد والقناعات الفلسطينية بأحقية الأرض في قلب المواجهة المعرفية ضد الرواية الاستعمارية الصهيونية. فقد صاغ مفهومه لِمَا يسمّيه «أدب الاشتباك»، والذي قدّم من خلاله كتابة تكشف القمع اليومي وتسعى إلى تفكيك البنية الفكرية التي تبرّره وإلى إعادة سرد التاريخ الفلسطيني من داخل المصادر الفلسطينية.
وينطلق مشروعه من قناعة مركزية مفادها أن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب كونه عسكريًا وسياسيًا، فهو كذلك صراع على الحكي. فالرواية الصهيونية لم تكتفِ باحتلال الأرض، بل اشتغلت طويلًا على احتلال التاريخ عبر إعادة صياغته أكاديميًا وسرديًا وأخلاقيًا. وفي مواجهة ذلك، يرى خندقجي أن مهمة الكاتب الفلسطيني على وجه التحديد -بجانب الردّ الخطابي المباشر- إنتاج معرفة باستخدام الأدوات نفسها ألا وهي البحث التاريخي المعتمد على الأرشيف، والتفكيك السردي، والمجاز المركّب.
تتجلّى هذه الرؤية بوضوح في ثلاثيته المسمّاة «المرايا»، والتي بدأ العمل عليها عام 2020 داخل السجن. في الجزء الأول منها، رواية «قناع بلون السماء» المهرّبة من سجون إسرائيلية متفرقة بسبب النقل التعسفي، قدّم المؤلف التاريخ كحقل صراع سردي على لسان «نور» باحث الآثار الذي يجد بطاقة هوية زرقاء وبيضاء لشخص اسمه «أور» يشبهه تمامًا. إذ يستدعي وقائع وشخصيات تاريخية وأمكنة فلسطينية، ليُعيد لاحقًا سردها ويضعها في بنية روائية تسمح بكشف التلاعب الاستعماري بالزمن والذاكرة. أمّا القناع ذو اللون السماوي فليس مجرد استعارة لحبكة الرواية، ولكنه أداة نقدية تشير إلى كيف تُنتج السرديات المهيمنة صورتها الأخلاقية.
أمّا الجزء الثاني، «سادن المحرقة» فيدخل الاشتباك فيه مرحلة أكثر حساسية. إذ يقارب الذاكرة اليهودية للمحرقة النازية كذاكرة جرى توظيفها سياسيًا لتبرير نكبة الفلسطينيين عام 1948. وبعيدًا عن أن الرواية لا تقارن بين الضحايا ولا تسقط في الثنائية الأخلاقية البسيطة، فهي تطرح سؤال السلطة على الذاكرة: من يملك حق تحويل الألم إلى شرعية سياسية؟ ومن يُقصى من التاريخ حين يُختزل العنف في سردية واحدة؟
ويكتمل مشروع «المرايا» في جزئه الثالث، «فراشات مريم الجليلية» والذي لا يزال قيد الإصدار. يركز خندقجي في هذه الرواية على شخصية «مريم فاطم» التي علّمت «أور» اللغة العربية، وقد تحوّلت العلاقة بينهما إلى مواجهة «أور» لنفسه. وهكذا تُبنى أعماله عبر منهجية شاقّة قائمة على التخطيط والمراكمة، لا على التدفّق الوجداني وحده. وبذلك تكاد تقترب من الأدب الفكري الذي يستخدم القالب الروائي.
موقع أدبه في «أدب السجون»
رغم أن أسره اقترب من الربع قرن، فإن السجن يغيب تمامًا عن أعمال خندقجي الروائية، وهذا الغياب كان اختيار واعيًا ومعلنًا من جانبه. إذ يضع أدبه في موقع مغاير داخل تقليد «أدب السجون» نفسه.
يشرح خندقجي قراره باعتباره موقفًا راديكاليًا قبل أن يكون خيارًا جماليًا، فهو يرى أن الكتابة عن السجن في أثناء الإقامة فيه تعني السماح له بأن يستوطن الوعي واللغة معًا. فالسجن، الذي يقيد الأجساد هو نفسه الذي يسعى إلى احتلال المخيّلة. لذلك كان الامتناع عن الكتابة عن الحياة في الأسر فعل مقاومة مضاد ومحاولة لإبقاء السرد خارج أسوار هذا المكان، ولكي لا يصبح السجن مرجعية السرد الوحيدة والمركزية.
وهو بذلك لا يقلّل من قيمة مساهمات الأسرى في «أدب السجون»، ولا من أهمية سرد رحلاتهم داخل الأسر. وإنما يشير إلى أن اختياره الذهاب إلى التاريخ والأسطورة والسرديات الكبرى نابع من رغبته في تجاوز هذا المكان. وفي سحب مركز الثقل من السجّان إلى أفاق أوسع تمكّنه من إعادة تعريف الذات الفلسطينية، وكأنها كائن تاريخي لا يريد اختزاله في زنزانة.
وطالما أن السجن لم «يسكنه من الداخل»، فإنه يرفض منحه شرف الدخول إلى أعماله الأدبية. مضيفًا أن السرد عن الأسر معركة مؤجَّلة، يؤمن أن خوضها ضروري ويتطلب مسافة زمنية وأخلاقية، ومسؤولية جماعية تتجاوز التجربة الفردية. ولهذا، حين حدثني عن إمكانية كتابته عن السجن مستقبلًا، أشار إلى عدة شروط: أولها ألا تكون سيرة ذاتية مباشرة بل سردًا جماعيًا يعبّر عن تجربة الأسر الفلسطينية في ضفيرة واحدة. فالسجن، عنده، لا يُفهم إلا كخبرة مشتركة، وكفضاء يُنتج الجماعة بقدر سعيه إلى تفكيكها. وكأن صمته الآني عن تفاصيل الحياة في الأسر جزء من استراتيجيته السردية، لا نقصًا فيها؛ هو صمت مؤقت يُؤجّل المواجهة إلى اللحظة التي لا يعود فيها القيد قادرًا على فرض لغته على السرد.
الحرية المنقوصة
بعد كل هذه السنين، ثم التحرر القسري إلى المنفى في مصر، يشعر باسم أن حريته الآن مُربِكة بقدر مشروعيتها. وكأنها حدث مباغت يشبه الموت في توقيته، ويحتاج إلى زمن طويل كي يُفهم ويُستوعب.
يقول باسم إن الكتابة ستستمر طوق نجاة وخيطًا أكثر ثباتًا ومتانة في حياة تتبدّل أمكنتها وحدودها، لأنها تمكّنه من الفعل داخل الشروط القسرية، ومن إنتاج أدب يواجه به الاحتلال المستمر في الإفراغ والتجريد والإبادة الجماعية. ولكل ما مضى، سيبقى مشروعه الأدبي جزءًا من الأسر، وإن لم يكتب عن ذلك حتى الحين. فالأسر كان حاضرًا دائمًا باعتباره الشرط لا الموضوع، ولأنه لا يزال قوة الضغط التي صاغت اختياراته السردية دون أن تحتلّ أعماله.
أما اليوم، وهو مُبعد لمصر، فلا يشعر أن منفاه باردٌ. إذ يراه امتدادًا ثقافيًا وحاضنة خفّفت من وطأة الاقتلاع من أرضه. غير أن الإقامة، مهما بدت دافئة، لا تنسيه السؤال المركزي ككل الفلسطينيين في المنفى: متى العودة؟ ومع أنها قاب قوسين أو أدنى، يبدو أن مشروعه ما يزال مفتوحًا على تحوّلات قادمة، لا تُغلق الأسر، ولكنها تعيد تأطيره ضمن مساحات أخرى من الحرب على الحكي.





