اليزيد الراضي بالمجلس العلمي الأعلى .. استمرار في المرجعية وتجديد للأداء
يجمع الأمين العام الجديد للمجلس العلمي الأعلى في مساره بين التعليم العتيق والتعليم الحديث، وبين البحث الفقهي والبحث الأدبي والبحث في التراث المغربي، وخاصة تراث منطقة سوس، التي كان عضو فريق البحث فيها بكلية الآداب بجامعة ابن زهر بأكادير التي درّس بها.
الدكتور اليزيد الراضي، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، كان رئيسا للمجلس العلمي المحلي بتارودانت لمدة ناهزت العقدين، وهو رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة سوس ماسة منذ سنة 2023، وأستاذ جامعيّ منذ أربعة عقود، ودرّس بالتعليم العتيق أيضا.
والمجلس العلمي الأعلى جزء من مؤسسة إمارة المؤمنين، يرأسهُ أمير المؤمنين ملك البلاد، ويشرف على أنشطة المجالس العلمية المحلية، وترشيد عملها، وتفعيل دورها في “تأطير الحياة الدينية للمواطنين والمواطنات المغاربة من المسلمين”، كما ينهض بإحالة طلبات الإفتاء في القضايا المعروضة عليه إلى الهيئة المكلفة بالإفتاء قصد دراستها وإصدار فتاوى في شأنها، وإقامة علاقات التعاون العلمي.
وبعد الدكتور محمد يسف، تسلّم مسؤولية الأمانة العامة لهذا المجلس اليزيد الراضي، الذي تعرّفه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأنه “حفظ القرآن الكريم برواية ورش على يد والده، وعلى يد شيخه المرحوم سيدي الحاج محمد بن أحمد بن الحسين الأسغركسي اليبوركي الولياضي. ودرس المتون العلمية الرائجة في المدارس العتيقة مثل الآجرومية واللامية، والجمل والزواوي، والألفية، والمرشد المعين، وفرائض الرسموكي، والرسالة، والسملالية، الحساب وغيرها. التحق بالتعليم الأصيل، وأتم دراسته النظامية على يد أساتذة فضلاء من سوس ومراكش والرباط”.
والتعليم الأصيل، تعليم خاص داخل منظومة التربية والتكوين المغربية، يركّز على تدريس المواد الشرعية الإسلامية، واللغة العربية، واللغات الأجنبية، ومواد مرتبطة بالمعارف الحديثة. وقد حصل الأمين العام على شهادة الباكالوريا فيه، ليتم دراسته الجامعية بعد ذلك في العلوم القانونية والدراسات العربية، ويحصل إثر ذلك على دبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي، جامعا ومحققا أحد عيون الأدب المغربي، الشعر المنظوم لأديب سوس داود الرسموكي، وقد صدر في أزيد من سبعمائة صفحة.
وفي مرحلة الدكتوراه، استمر اهتمام اليزيد الراضي بتحقيق الأدب المغربي ودراسته، وحفظ ذاكرة قرون من الإبداع باللغة العربية، خاصة في مسقط رأسه بمنطقة سوس، مهتما بشعر الجشتيميين، وهم علماء وأدباء بارزوا الأثر في فهم الدين واللغة العربية والتفاعل مع واقع الناس من أجيال مختلفة من عائلة الجشتيمي، سبق وخصهم المؤرخ والفقيه والأديب المختار السوسي بتعاريف خاصة في الجزء السادس من موسوعته “المعسول”.
ومن بين ما يفسّر الاهتمام الأكاديمي لليزيد الراضي بجمع نفائس الأدب المغربي وتحقيقها، ما ذكره في دراسته لشعر الرسموكي، التي سبق وقدمتها هسبريس، حيث أمّن على خلاصة لأستاذه المشرف عباس الجراري، عميد الأدب المغربي الراحل، قال فيها: “نحن المغاربة ما زلنا في مرحلة التعرف على إنتاجنا الأدبي، والكشف عن كنوزه الدفينة، وإن حاجتنا إلى هذا التعرف وهذا الكشف أشد بكثير من حاجتنا إلى التحليل والتعليق”. ليعلق الراضي بقول إنه إذا ما لم نبادر إلى إنقاذ هذا الإرث “وافتكاكه من أسر الإهمال والنسيان، فإننا سنكون قد أسهمنا في ضياعه وفقده. وذلك يحتّم علينا أن نضع جمعه وإخراجه من ظلمات الخزانات الخاصة والعامة إلى حيز النور، فوق كل اعتبار”.
أما في كتابه “زكاة رواتب الموظفين وكسب أصحاب المهن الحرة”، فيدرس ثم يرجح كيف تخضع هذه الرواتب للشروط العامة لزكاة النقود، ومتى يمكن أن تبلغ النصاب الشرعي، مع اقتراحه حلولا لصعوبات عملية في الاحتساب.
وفي دفاعه عن وجاهة تمذهب المغاربة بالمذهب المالكي، فسر ميزة الإمام مالك، بين فقهاء المذاهب، في “حسن التبحر في الفقه، وحسن التبحر في الحديث”، وكونه “إماما في الحديث، وإماما في السنة”، كما من خصائصه اعتماده على عمل أهل المدينة، وهو “السنة العملية المتواترة”، وهو “ما يعطي المذهب مصداقية خاصة في ارتباطه بالأحكام الشرعية”.
وفي الدرس الحسني الذي ألقاه اليزيد الراضي بعنوان “الإسلام دين الفطرة” في شهر رمضان من سنة 2005 أمام أمير المؤمنين، من بين ما نبه إليه أن “الإسلام منسجم مع طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، في كل إرشاداته وتوجيهاته، وفي كل أوامره ونهيه”، مضيفا أن نص القرآن يبين أن “فطرة الإنسان التي سواها الله وعدلها، لم يودعها الله ما يتناقض مع الإسلام، ويتعارض مع روحه ومقاصده وتشريعاته. بل أودعها ما يجعلها تحب الإسلام، وتنجذب إليه، وتشعر بارتياح إلى أحكامه وضوابطه”؛ حتى يرتقي “بالإنسان في مدارج الكمال البشري”.
الإسلام الذي بعث للناس كافة، برأه اليزيد الراضي من الحجب والحوائل الثقافية، موضحا أن “الثقافة منتوج إنساني نسبي، يتأثر كثيرا بالقصور المعرفي، ومحدودية الفهم والإدراك، وضيق الأفق، وحدة المزاج، والنفور من الحوار وسماع الرأي الآخر. فلم يكن مقبولا بحال أن يخلط بين ثقافة هذا شأنها، وبين وحي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، لأن مثل هذا الخلط من شأنه أن يلبس الإسلام ثوبا غير ثوبه، ويحجب عن الناس جماله وسماحته ورحمته”.
ومما نظمه اليزيد الراضي، قصيدة حول “جزر القمر”، مطلعها:
دعاني الفؤاد لوصل القمر .. وفاجأني منه هذا الخبر
ومما يقوله فيها:
ومن زارهم يستطيب الثَّوى .. لديهم ويلقى المنى والبشر
وينسى ذراه بما شامه .. من الفضل والفضلُ أغلى وطر
أهنئكم يا أهيل الحمى .. بما صغتم من نفيس الدرر
أهنئكم ببلوغ المنى .. وقطف الثمار وسكنى القمر
ومغربنا الحر إن شامكم .. بدوتم له مثل روض الزهر
إلى أن يقول:
مؤسسة العلم تجلو الدجى .. وتحيي التراث كمثل المطر
تجنب إفريقيا ما بدا .. من الفقر والخلف بين الزمر
وتسلك بالناس سبل الهدى .. وتنقذهم من دعاة الغَرَر
وسوف نرى كل ما نرتجي .. ونسطع في الأفق مثل القمر
ومن لج في قرع باب العلا .. ولم ينهزم يستجيب القدر
وفي درس ألقاه قبل شهرين في السنة الجارية 2026، خلال زيارته طلبة للتعليم العتيق، بمعهد بالجهة الشرقية التي يشرف على مجالسها العلمية الفقيه مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى، قال الراضي: “لقد سعدت أيما سعادة بوجودي في رحاب هذا المعهد المبارك، وأمام هذه الثلة الفاضلة من العلماء، وأمام هذه البراعم المتفتحة من التلاميذ والتلميذات. أشعر بالسعادة لأنني وجدت موئلا بالغ الأهمية للقرآن الكريم، وللعلم الشرعي، ولعلوم اللغة العربية، ولبقية العلوم التي تحتاج إليها ممارسة الخلافة في الأرض ممارسة رشيدة. أشعر بالسعادة لأن هذه الكثرة التي أراها أمامي، كثرة نوعية، وجوهها تطفح بالبِشر والتفاؤل والثقة”.
وفي كلمة تعيين الأمين العام الجديد، بعد استقبال من ملك البلاد محمد السادس، قال اليزيد الراضي: “المغرب بلد إمارة المؤمنين، تلك الإمارة التي تهتم بقضايا الدين، كما تهتم بشؤون الدنيا. ولذلك نصف أمير المؤمنين في كلماتنا وخطبنا بأنه حامي الملة والدين”.
وفي حفل تنصيبه، أمس الجمعة بمقر المجلس العلمي الأعلى بالرباط، وفق ما نقلته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تطرق اليزيد الراضي إلى رسالة المؤسسة والأهداف المتوخاة منها، وفي مقدمتها “ترسيخ ثوابت المملكة المغربية الدينية والوطنية، وحماية وحدة البلاد، وتوعية المواطنين عن طريق البلاغ المسدد المبين، بقيم دين الإسلام الحنيف ومبادئه ومثله وضوابطه، حتى يكون المغرب، كما كان في الأجيال السابقة، بلد التدين السليم، الخالي من الغلو، والملتزم بالوسط والاعتدال”.
The post اليزيد الراضي بالمجلس العلمي الأعلى .. استمرار في المرجعية وتجديد للأداء appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





