"التسليق"... سرّ راحة البال الذي نسيه اللبنانيون (صور وفيديو)
ضباب خفيف يلامس رؤوس التلال، شمس خجولة تشقّ طريقها بين الغيوم، رائحة ترابٍ مبتلّ بعد مطرٍ عابر، نساء يضحكن في العراء كأنّهن يعرفن سرّ الصباح، حجارة دافئة تحفظ ذاكرة المواسم وعشب بريّ يطلّ من بين الشقوق كأنّه يعلن انتصار الحياة.
هناك، في جرود كسروان، بدا المشهد أكبر من نزهةٍ وأعمق من رحلة تصوير في طبيعة لبنان. بدا كأنّنا نستعيد شيئاً ضاع منّا وهي تلك الصلة الأولى بين الإنسان والأرض.
في هذا المكان، استقبلتنا تقلا الخويري بحفاوة بيتنا اللبناني الأصيل، ثم دعتنا إلى مشاركتها اختبار "التسليق" (السليقة)، تلك العادة اللبنانية المتوارثة التي تقوم على المشي في الطبيعة وجمع ما يمنحه الربيع من نباتاتٍ برّية صالحة للأكل.

النباتات البرية اللبنانية... أسماء تحمل ذاكرة الأرض
تحت سماءٍ متقلّبة، وبين الندى وبعض قطرات المطر التي لم تمنعنا من الانطلاق، مشت تقلا، ونحن وراءها، بخطى الواثق العارف. كانت تشير إلى النباتات بأسمائها كما لو أنّها تعرّفنا على أفرادٍ من العائلة: "مخّو بعبّو"، "قرص عنّي"، "الحلبلوب"، "العرقبانية"... أسماء نسجها الأجداد من علاقتهم الوطيدة بالأرض، بعدما عرفوا الطعم والرائحة والشكل والموسم.
تقلا الخويري تحيي إرث "التسليق" اللبناني
تقلا، اللبنانية البالغة من العمر 44 عاماً، تتحدّث عن هذه العادة لا كهوايةٍ موسمية، بل كأسلوب حياةٍ ورثته عن عائلتها. فقد نشأت في بيتٍ لبناني عامر بالأبناء وبسيط العيش، بحيث كانت العائلة تجتمع حول ما تمنحه الأرض، ويشكّل "التسليق" جزءاً طبيعياً من تفاصيل النهار لا نشاطاً استثنائياً. وتقول إنّها تعلّمت منذ صغرها كيف تُقرأ المواسم، وكيف تُقطف النبتة المناسبة في حينها، وكيف تشكر على ما تجود به الأرض.

واليوم، تسعى إلى نقل هذه الثقافة عبر مشروعٍ تعمل عليه مع أخواتها وأبنائهم، لا بوصفه عملاً تجارياً وإنّما رسالة لإحياء نمط الحياة اللبنانية البسيطة المرتكزة على الطبيعة. تريد أن تفتح للناس نافذةً على ذكرياتها الأولى، وأن تعيد تقديم ما عاشته في طفولتها كخيارٍ صالح للحاضر أيضاً. ففي رأيها وبعيداً من الحنين الجميل، تعتبر أنّ نمط الحياة المبني على الطبيعة أسلوب يثمر صحةً نفسية أفضل، حركةً يومية طبيعية وتماسكاً عائلياً نفتقد كثيراً منه اليوم.

"التسليق" في لبنان... عادة قديمة تعود بقوةٍ في زمن التوتر
وتؤكّد أنّ العيش في الطبيعة و"التسليق" ليسا موضةً عابرة ولا ترنداً مستجداً، بل إرث لبناني متوارث ونمط حياة متكاملٍ يخفّف ضغط الحياة الحديثة ويعيد الإنسان إلى توازنه. وتشير إلى أنّها بعد جائحة كورونا لاحظت إقبالاً كبيراً من الناس على العودة إلى الجذور، والبحث عن الطبيعة كملاذٍ يهدّئ البال ويخفّف التوتر، بعدما أدرك كثيرون، إثر سنواتٍ من العزلة والخوف والضغط النفسي، أهمية الخروج إلى المساحات المفتوحة، واستنشاق الأوكسيجين، واستعادة النشاط الجسدي والذهني بعيداً من الإيقاع السريع للحياة اليومية.
وتقول إنّها شخصياً لا تعرف القلق الذي يثقل كثيرين من أبناء جيلها في المدن، لأنّ يومها يبدأ بالحركة، والمشي، والتعرّض للشمس، والانشغال بما ينفع الجسد والروح معاً.

كيف تحافظ الطبيعة اللبنانية على صحتنا النفسية؟
وترى أنّ لبنان، رغم العمران الذي تمدّد في المدن والقرى، لا يزال يحتفظ بمساحاتٍ خضراء واسعة قادرة على منح الإنسان توازنه. من الهواء إلى الشمس، ومن الصخور إلى الأشجار والنباتات البرّية، تعتبر أنّ الطبيعة اللبنانية تملك قدرةً استثنائية على تهدئة الداخل الإنساني، شرط أن نتعمّق في فهم ما تقدّمه، وأن نسمح لها بتحريك حواسنا الخمس. كأن نرى ألوانها، ونشمّ روائحها، ونلمس ترابها، ونسمع صمتها، ونتذوّق خيراتها.

قضينا معها يوماً طويلاً يشبه تفاصيل أيامها المعتادة، المفعمة بالبساطة والامتلاء. انتهى بإشعال النار، وتحضير القهوة اللبنانية "على الهدى"، ثم تناولنا مأكولاتٍ جبلية بسيطة ممّا سلّقناه من الأرض. عندها فقط، فهمنا أنّ "التسليق" يبدأ بجمع النباتات ليمتدّ الى استعادة راحة بال أجدادنا وطمأنينتهم التي يحتاجها اللبناني اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.





