التشكيل الفني في رواية ” منحدرات سحيقة”
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
الدكتورة مي بكليزي تُمثِّلُ هذه الروايةُ التجربةَ الروائيةَ الأولى المكتملةَ للكاتبِ علي القيسي، صاحبِ القراءاتِ النقدية، والذي صدر له كتابا: «السهل الممتنع في القراءة النقدية» و«فحوى التأويل». وتنهضُ هذه التجربةُ على خصوصيةٍ لافتةٍ، إذ يعمدُ الكاتبُ—عبر تقنيّةِ التورية—إلى تشييد خطابٍ سرديٍّ يستبطنُ ملامحَ من سيرته الذاتيّة، متوسّلًا بشخصية «عماد» بوصفها بؤرةً سرديّةً ومحورًا تتقاطعُ عنده الشذراتُ الحكائيّةُ وتتشابك. ويصدرُ هذا البناءُ عن وعيٍ بوظيفةِ الكتابةِ بوصفها فعلَ بوحٍ وتفريغٍ نفسيٍّ، إذ تتحوّلُ إلى ملاذٍ رمزيٍّ يعيدُ للذاتِ توازنَها في مواجهةِ ضغوطِ التجربةِ الحياتيّة. وفي الآنِ نفسه، تتجاوزُ الروايةُ حدودَ الذاتيّ لتتداخلَ مع السياقِ السياسيّ العربيّ المأزوم، بحيث تغدو «منحدراتٌ سحيقةٌ» تمثيلاً رمزياً لانحداراتٍ متعاقبةٍ تطالُ الفردَ والجماعةَ على حدٍّ سواء. يعَدُّ عُنْوَانُ «مُنْحَدَرَاتٌ سَحِيقَةٌ» عَتَبَةً نَصِّيَّةً دَالَّةً اسْتَهَلَّ بِهَا القَيْسِيُّ رِوَايَتَهُ، وَهُوَ عُنْوَانٌ يُوحِي بِقَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ القَتَامَةِ وَالسُّودَاوِيَّةِ، وَيُوَجِّهُ أُفُقَ تَوَقُّعِ القَارِئِ نَحْوَ رُؤْيَا مُتَشَائِمَةٍ لِلْحَيَاةِ، عَلَى نَحْوٍ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَا تَدْرُسُهُ السيميائيات فِي تَحْلِيلِ العَتَبَاتِ النَّصِّيَّةِ. فَاخْتِيَارُ لَفْظِ «مُنْحَدَرَاتٍ» بِصِيغَةِ الجَمْعِ لَيْسَ اعْتِبَاطِيًّا، بَلْ يُشِيرُ إِلَى تَعَدُّدِ مَسَارَاتِ التَّرَدِّي وَالانْحِدَارِ، فِي حِينِ يَأْتِي وَصْفُهَا بِـ«السَّحِيقَةِ» لِيُعَمِّقَ دَلَالَةَ الهُوَّةِ وَالانْفِضَاضِ نَحْوَ القَاعِ، فَتَغْدُو الحَيَاةُ—مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الكَاتِبِ—سَيْرًا مُتَوَاصِلًا نَحْوَ الانْحِدَارِ، أَقْرَبَ إِلَى الِانْزِلَاقِ نَحْوَ الهَاوِيَةِ. وَلَا يَبْقَى هَذَا العُنْوَانُ فِي إِطَارِهِ الإِيحَائِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ يَمْتَدُّ وَظِيفِيًّا لِيُجَسِّدَ مَسَارَ الرِّوَايَةِ، إِذْ تَتَنَاوَبُ فِيهَا الأَحْدَاثُ بَيْنَ البُعْدِ الذَّاتِيِّ وَالِانْخِرَاطِ فِي السِّيَاقِ السِّيَاسِيِّ، فَتُحِيلُ «المُنْحَدَرَاتُ» إِلَى مَا مَرَّتْ بِهِ الشُّخُوصُ مِنِ انْكِسَارَاتٍ نَفْسِيَّةٍ، سَوَاءٌ فِي تَجْرِبَةِ عِمَادٍ أَمْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّخُوصِ. كَمَا تَتَّسِعُ دَلَالَةُ العُنْوَانِ لِتَشْمَلَ السِّيَاقَ التَّارِيخِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ، حَيْثُ تُحِيلُ إِلَى مَحَطَّاتٍ مَفْصِلِيَّةٍ فِي تَارِيخِ الأردن وَالوَطَنِ العَرَبِيِّ، ابْتِدَاءً مِنِ اغتيال هزاع المجالي، وَمُرُورًا بِـالنكسة، وَقَبْلَهَا...





