التلفزيون المغربي بين الواقع والتحديات.. أثر البرامج على عقلية الشباب والأسرة والمجتمع واستراتيجيات التطوير
بدر شاشا
يمثل التلفزيون المغربي أحد أبرز وسائل الإعلام التقليدية التي ظلت لعقود تؤثر على تشكيل وعي المجتمع وتوجهاته الفكرية والثقافية. وهو، بحكم وصوله الواسع وانتشاره في مختلف المدن والقرى، يُعد منصة رئيسية للتواصل الاجتماعي وبناء المعرفة والمعلومات، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة فيما يتعلق بمستوى البرامج والمحتوى واستهداف الفئات العمرية المختلفة، خاصة الشباب والأسرة.
لقد أثبتت الدراسات الميدانية والاجتماعية أن التلفزيون المغربي، في شكله الحالي، غالبًا ما يقدم محتوى ترفيهيًا سطحيًا يعتمد على الإثارة البصرية والتسويق والعروض الدعائية أكثر من التعليم والتثقيف، ما يحد من قدرته على تطوير العقلية النقدية والإبداعية لدى الشباب أو تعزيز التواصل الاجتماعي والثقافي في الأسرة المغربية.
الشباب المغربي، بوصفه الفئة الأكثر تعرضًا للمحتوى الإعلامي، يعيش تجربة مزدوجة بين الفضول والرغبة في المعرفة من جهة، والانغماس في برامج التسلية السريعة والترفيهية من جهة أخرى. البرامج الشبابية غالبًا ما تركز على موسيقى البوب، الألعاب، المسابقات المباشرة، والإعلانات الموجهة، وهي برامج تستهلك الوقت بدون أن تمنح المشاهد القدرة على التفكير النقدي أو فهم أعمق للقضايا الاجتماعية والسياسية والبيئية.
هذا الوضع يخلق لدى الشباب ميلًا إلى استهلاك المعلومات بشكل سطحي، واعتماد أنماط تقليدية أو مستوردة من الإعلام الغربي، دون القدرة على تحليل الرسائل الإعلامية أو تكوين موقف واعٍ من القضايا المجتمعية، كما يضعف قدراتهم على مواجهة التحديات المهنية والتربوية والتكنولوجية.
أما الأسرة المغربية، فهي تواجه تأثير التلفزيون على مستويات متعددة، حيث يتحول أحيانًا التلفزيون إلى عنصر تفريق أكثر من كونه عنصر توحيد، إذ يشاهد كل فرد برامج مختلفة بحسب اهتماماته، فيصبح من الصعب توجيه النقاشات أو بناء فهم مشترك للقيم الثقافية والأخلاقية والاجتماعية.
المحتوى المخصص للأطفال غالبًا ما يركز على التسلية والرسوم المتحركة التجارية، بينما يفتقر إلى تعزيز القيم التعليمية أو القدرات التحليلية، مما يجعل الأبناء أكثر عرضة للانغماس في السلوك الاستهلاكي والميول الفردية.
وهذا يؤثر بشكل غير مباشر على الدور التربوي للأسرة في ترسيخ قيم الحوار والتفكير النقدي والثقافة المجتمعية، ويضعف قدرة الأسرة على مواجهة التأثيرات السلبية للمجتمع الرقمي والإعلامي المعاصر.
المجتمع المغربي ككل يتأثر بتوجهات التلفزيون من خلال البرامج الإخبارية والمناقشات السياسية والاجتماعية. رغم أن هذه البرامج تمثل وسيلة لنقل الأخبار، إلا أن التركيز غالبًا يكون على الحدث اللحظي والإثارة، دون تقديم التحليل العميق أو التثقيف الاجتماعي.
نتيجة لذلك، يصبح المجتمع أكثر عرضة لتبني الرأي السطحي أو الانجراف وراء الأخبار المثيرة، مما يضعف القدرة على اتخاذ قرارات واعية في القضايا السياسية والاقتصادية والبيئية. ويضاف إلى ذلك تأثير المحتوى الإعلاني وبرامج التسويق، التي تعزز الاستهلاك وتروج لأنماط حياة بعيدة عن القيم المحلية، مما يزيد من الفجوة بين الثقافة المغربية الأصيلة والأنماط الاستهلاكية المستوردة.
ومع ظهور الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الشباب يميل إلى المنصات الرقمية التي تقدم محتوى أسرع وأكثر تفاعلية، وهو ما يضع التلفزيون التقليدي أمام تحدٍ كبير في الحفاظ على تأثيره الفكري والثقافي.
تتسم هذه المنصات الرقمية بقدرتها على توجيه الجمهور حسب الاهتمامات الشخصية، وإشراكه في الحوار، وتقديم محتوى متعدد الوسائط، مما يجعل التلفزيون التقليدي يبدو أقل قدرة على التطوير الفكري والمعرفي.
تحليل القنوات المغربية يظهر تفاوتًا في المحتوى والاستهداف. القنوات العمومية غالبًا ما تركز على البرامج العامة والترفيهية، مع بعض البرامج الثقافية والاجتماعية المحدودة، بينما القنوات الخاصة تميل إلى التركيز على الترفيه والإعلانات التجارية لجذب المشاهدين والحفاظ على نسب المشاهدة، وهو ما يقلل من التنوع الفكري.
البرامج الشبابية غالبًا ما تفتقر إلى العمق التعليمي والتثقيفي، والبرامج العائلية لا تساهم دائمًا في تعزيز التواصل داخل الأسرة أو نقل القيم الثقافية بشكل فعال. في المقابل، البرامج التربوية والعلمية قليلة جدًا، ولا تغطي كافة القضايا الحيوية التي تحتاجها الأسرة والمجتمع، سواء في المجال البيئي أو الصحي أو الاجتماعي أو التقني.
بناء على هذه المعطيات، يمكن تصور نموذج شامل لإعادة بناء التلفزيون المغربي ليصبح أداة تنموية حقيقية. هذا النموذج يقوم على تطوير المحتوى ليجمع بين التعليم والترفيه، وإنتاج برامج تفاعلية تدعم التفكير النقدي والإبداع، وإدماج الخبراء والمجتمع المدني والجامعات في صياغة المحتوى الإعلامي.
يجب أن يشمل هذا النموذج تخصيص برامج حسب الفئات العمرية مع مراعاة الاهتمامات الثقافية والاجتماعية لكل فئة، وإدخال تقنيات رقمية تتيح التفاعل المباشر مع الجمهور، وتعزيز البرامج العلمية والبيئية والتكنولوجية، إلى جانب دمج التوعية بالقيم الأخلاقية والاجتماعية والهوية الثقافية المغربية.
كما يجب أن يرتكز النموذج على استراتيجية استهداف ذكية، لا تقوم على جذب نسب المشاهدة فقط، بل على تحقيق أهداف تعليمية وتربوية وثقافية، مع قياس الأثر بشكل دوري على عقلية الشباب والأسرة والمجتمع، ومراجعة البرامج بناءً على نتائج الأبحاث الميدانية والتقييمات العلمية.
كما يمكن استخدام خرائط التأثير الإعلامي لتحديد المناطق والفئات الأكثر حاجة للتثقيف الإعلامي، ووضع خطط لتقوية البرامج في هذه المناطق بما يضمن توسيع دائرة التأثير الإيجابي للتلفزيون.
إعادة بناء التلفزيون المغربي وفق هذا النموذج سيؤدي إلى تعزيز قدرة الشباب على التفكير النقدي، ودعم الأسرة في مهام التربية الاجتماعية والثقافية، وتحقيق تأثير إيجابي واسع على المجتمع المغربي.
بينما الاستمرار في نفس النهج التقليدي والترفيهي السطحي سيظل يحد من قدرة التلفزيون على تطوير العقلية، ويزيد من استهلاك الإعلام بشكل سلبي، ويؤثر على قيم وهوية المجتمع، ويضع الشباب والأسرة في موقف أكثر هشاشة أمام التحديات الفكرية والاجتماعية والرقمية.
The post التلفزيون المغربي بين الواقع والتحديات.. أثر البرامج على عقلية الشباب والأسرة والمجتمع واستراتيجيات التطوير appeared first on أنباء إكسبريس.




