الثقافة كحصن للتحرر: قراءة في دور الكتاب ومعارك الوعي العربي
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
تأتي الدورة الأربعون لمعرض تونس الدولي للكتاب لتؤكد من جديد أن الكتاب ليس مجرد وعاء للحروف والكلمات، بل هو معمار متين من المعاني والقيم التي تشكل وعي الشعوب. إن الوظيفة الحقيقية للكتاب تتجاوز الترف الفكري لتصبح أداة استراتيجية تضاهي في تأثيرها منصات إطلاق الصواريخ، حيث يمثل الحصن الأول في الدفاع عن الأوطان وحماية سيادتها. لقد أثبت التاريخ أن الثورات الكبرى والحضارات العظيمة لم تقم إلا على أساس 'النص'، سواء كان فلسفياً أو دينياً أو قانونياً. فالكتاب الذي يستحق هذه التسمية هو الذي يرتقي بالكائن البشري إلى مرتبة الإنسان الحر المكرم، الذي يمتلك إرادة وقيمًا تحتكم إلى شرائع واضحة ومعايير أخلاقية تنبع من وعيه الذاتي وذائقته السوية. وترتبط نهضة الأمم وتمدنها بمدى تعلقها بالكتاب وقدرتها على إنتاج المعرفة، فكلما اقتربت الشعوب من القراءة والبحث، زادت حظوظها في تحقيق الرفاه والأمان. وفي المقابل، يؤدي الابتعاد عن الكتاب والاستعاضة عنه باللغو والتفاهة إلى السقوط في فخ التخلف والتبعية والفوضى التي تنهك جسد الأمة. إن المعركة الحقيقية التي يجب على النخبة خوضها اليوم هي معركة ثقافية بامتياز، تتركز على البرامج والتصورات قبل المواقع والأسماء. هي مواجهة ضد 'قوات احتلال' فكرية تحاول السيطرة على الوعي والمصطلحات والروح، لإدراك القوى المعادية أن السيطرة على الجغرافيا تبدأ أولاً باحتلال العقول. الفعل الثقافي في جوهره هو فعل حر ينبع من الشعور بالمسؤولية والطاقة الإبداعية الكامنة، وهو القادر على اقتحام عوالم السكون والرداءة. لا يحتاج هذا الفعل إلى مؤسسات وهياكل إلا من باب التيسير والخدمة، بعيداً عن محاولات التوجيه وبسط النفوذ التي قد تمارسها السلطات على أهل الفكر والإبداع. تعتبر وزارات التربية والثقافة والشؤون الدينية، بالإضافة إلى مؤسسات الإعلام، حقولاً لاستنبات المعاني وإنتاج الوعي الوطني. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه المؤسسات ظلت لفترات طويلة أشبه بالقلاع المغلقة التي يصعب اختراقها أو تغيير نهجها التقليدي الذي لا يخدم دائماً تطلعات الشعوب نحو التحرر. لقد ركز العقل الاستعماري جهوده على إعادة برمجة العقل العربي من خلال التدخل في برامج التربية والخطاب الديني والتعبيرات الثقافية. واستعان في ذلك بخبراء في 'هندسة العقل القابل للاستعمار'، بهدف خلق روح مهادنة للظلم والإذلال، ومستسلمة للواقع المفرو...




