الذكاء الاصطناعي في تصحيح “الباك”.. فوائد كبيرة ومخاطر أكبر
تستعد ثورة الذكاء الاصطناعي لدخول الفضاء المغربي من أوسع الأبواب، باب التعليم، إذ صرح الوزير الوصي، محمد سعد برادة مؤخراً باستعداد وزارته لتجربة الذكاء الاصطناعي كمساعد في تصحيح امتحانات الباكلوريا. تجربة لا شك تحمل إيجابيات عديدة، إلا أنها محفوفة بالأخطار؛ من قبيل محدودية الذكاء الاصطناعي في التعامل مع الأجوبة “الإبداعية”، واحتمال عجزه عن قبول جوابين مختلفين كِلاهما صحيح، وصولاً إلى خطر “تنميط” الأجوبة وبالتالي خلق جيل من “الروبوتات” التي تجيب عن نفس الإشكالات بنفس الحلول، دون أدنى مقدرة على الإبداع والابتكار.
طرحت جريدة “مدار21” 3 أسئلة في هذا الصدد على الخبير المعلوماتي، أحمد بوكيوض، الذي أكد أن للذكاء الاصطناعي إيجابيات كبيرة لكنها لا تصمد أمام مخاطره الأكبر، مبرزاً تخوفه من أن يكون الطالب المغربي ضحية “مُختبر تجارب” لآليات لم تظهر بعد كفاءتها المطلقة.
في ما يلي نص الحوار كاملاً:
ما هي في رأيك إيجابيات توظيف الذكاء الاصطناعي في تصحيح أوراق امتحانات الباكلوريا؟
أولا أرغب في الإشارة إلى نقطة قانونية، المشرع المغربي وضع ضوابط لمسألة لجان تصحيح الامتحانات، وهناك أهلية ينبغي ـن يتوفر عليها الأستاذ قبل أن ينضم للجنة، وبالتالي فمن الناحية القانونية، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن “يقتحم” مجال تصحيح امتحانات الباكالوريا مباشرة ودون سابق إنذار ودفعة واحدة بدون أستاذ. المسألة تحتاج إلى السيرورة المعروفة التي تسن بواسطتها القوانين بالمغرب.
أما من الناحية التقنية، فبالتأكيد لهذا التحول بعض الإيجابيات، مثلاً يمكن للذكاء الاصطناعي تصحيح آلاف النسخ في غضون بضع دقائق، وعلى ذكر هذه المسألة، فإن هذه القدرة التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي تجعل منه نعمة لمباريات التوظيف، حيث تكون الحاجة، في الوظيفة العمومية مثلاً، ملحة إلى الموارد البشرية في وقت وجيز، وتحتاج توظيفاً سريعاً، هنا يمكن بفضل الذكاء الاصطناعي تسريع سيرورة التوظيف، بفضل السرعة في تصحيح أوراق المتبارين. أما بالنسبة لامتحان الباكلوريا فأظن أن الأمر يحتاج إلى التجريب قبل الإقدام على هذه الخطوة.
وفي ذات السياق، فإن سرعة التصحيح تعني بالتالي سرعة إصدار النتائج، ومن ثمة تجنيب المتبارين قلق الانتظار والترقب الذي يدوم عدة أيام.
أيضاً أرى أن النقطة الإيجابية الأبرز للذكاء الاصطناعي هي الحياد، فهو لن يأخذ أي اعتبارات شخصية تجاه الطالب. مثلاً قد تكون العلاقة متوترة بين أستاذ وطالبه فيعمد إلى معاقبته بتقليص نقطته المُستحقة. الذكاء الإصطناعي محايد في هذه الأمور، ولن يهتم سوى بجودة الإجابة في التقييم.
من جهة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحافظ على نفس الأداء التصحيحي لكل الأوراق، أعني أن الأستاذ يمكن أن يتعب ويفقد تركيزه أثناء التصحيح ومع توالي الأوراق، وأحياناً يكون لذلك وقع على جودة التصحيح بين الأوراق الأولى والأوراق الأخيرة المصححة، الذكاء الاصطناعي لن يعاني من هذه المشكلة.
من جهة أخرى، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يرصد الغش، إذ بوسعه أن يضبط الأوراق المتشابهة، أو لنقل المتطابقة، مما يؤشر على أن أحد الطالبين نقل أجوبة الآخر. لكن هنا سندخل في الأمور التي تحمل وجهين، سلبي وإيجابي…
كيف ذلك؟ وما هي سلبيات اعتماد الذكاء الاصطناعي في التصحيح؟
سلبيات الذكاء الاصطناعي، لأكون صريحاً قد تكون قاتلة، وهي أخطر بكثير من الفوائد. بالعودة إلى ما أسلفت حول ضبط الغش، يحق لنا أن نتساءل: من يضمن حقاً أن الأمر يتعلق بحالة غش، حتى وإن تطابقت الأجوبة؟ هناك دائماً احتمال، ولو ضئيل، أن يجيب طالبان بنفس الكيفية، مثلاً كأن يكونا صديقين يذاكران للامتحان مع بعضيهما… احتمال أن يجيبا بالشكل ذاته في هذه الحالة يُصبح مرتفعاً، والذكاء الاصطناعي لن يفهم مثل هذه الأمور، وبمجرد أن يضبط التطابق سيؤوّله كحالة غش ويقصي المتباريين معا.
ليس هذا فحسب، هناك أيضاً طريقة صياغة الجواب، قد يُقصي الذكاء الاصطناعي المصحِّح أجوبة صيغت بطريقة مختلفة عن المألوف. وهنا تحضرني قصة الرجل الذي حلم بأن أسنانه تساقطت، وحين سأل مفسر أحلام أخباره بأن أبناءه سيموتون الواحد تلو الآخر، فحزن واستفسر مفسراً آخر، فأجابه: ستكون آخر من يموت في عائلتك، ففرح وقرر الاحتفاظ بالجواب الثاني، علماً أن الجواب هو نفسه لكن بصيغة مختلفة. هذا ما قد يحصل للذكاء الاصطناعي، فهو سيكون مدرباً على جواب معين وسيقصي كل الأجوبة التي لا تنضبط له من حيث الصيغة وإن كان المضمون صحيحاً.
من جهة أخرى، فالذكاء الاصطناعي عادة ما يكون مُدرباً بمعايير أوروبية أو أمريكية، أو غيرها من معايير البلدان الفاعلة في تطويره، وهي مختلفة بشكل كبير عن المعايير المغربية. ما يعني أن طريقة تفكير التلميذ أو الطالب المغربي ليست هي طريقة الطالب الفرنسي أو الأمريكي أو الصيني… وبالتالي فطريقة جوابه لن تكون مشابهة.
وهنا سأتطرق لمشكلة أخرى، وهي تلك المتعلقة بالمواد ذات “الطابع الإبداعي”، والتي يكون السؤال فيها على شكل تحرير مقالي، كالفلسفة أو الاجتماعيات أو اللغات… حيث يطلب من الطالب مثلاً تعليل جوابه. هذا التعليل يستحيل أن يكون مطابقاً لأي معيار موحد، فالمطلوب دائما من الطالب هو التفكير الذاتي، والهدف هو تحليل بنية الجواب وليس محتواه فحسب. هنا أضمن لك أن الذكاء الاصطناعي سيكون عاجزاً تماماً عن تفهم هذا المعطى، وقد يقصي أو يظلم أجوبة جيدة جداً.
هذا ناهيك عن الأخطاء الإملائية التي أصبحت مشكلة كبيرة يعاني منها التلميذ المغربي. عادة في تصحيح المواد التي لا تقوم على تقييم اللغة، إذا ارتكب طالب خطأ إملائياً أو على مستوى علامات الترقيم… فالأستاذ يتفهم وقد لا يعاقبه، أما الذكاء الاصطناعي فبالنظر لكيفية اشتغاله عبر التنبؤ بالأجوبة، فإن أبسط خطأ لغوي أو في علامات الترقيم قد يُعتبر بمثابة جواب خاطئ بالمطلق.
هل تعتقد أن هذه المخاطر تمس جوهر العملية التربوية والتعليمية؟
بصراحة الأمر محفوف بالمخاطر، وهي مخاطر تمس بالفعل صميم العملية التربوية والتعليمية. أخشى مثلاً من أن يصبح علينا التكيف وتكييف أسئلة الامتحانات مع أعطاب الذكاء الاصطناعي في التصحيح، مثلاً، وفي حال تعميمه، قد تعطى تعليمات بوضع الأسئلة على نحو يتماشى مع قدرات الذكاء الاصطناعي في التصحيح.
هذا الأمر ليس مجرد تفصيل تقني، بل يهدد بأن المدرسة المغربية ستصبح مشتلاً لإنبات الروبوتات المتشابهة التي تجيب على نفس الأسئلة بنفس الأجوبة، وهذا التنميط خطير على بلد يراهن على الإبداع والابتكار للنهوض.
ثم إني أخشى من أن يكون التلاميذ المغاربة مُختبر تجارب لأداة ثورية بالفعل، لكنها محفوفة بالأخطار وغير مجربة على نطاق واسع. فقد تتبعت شخصياً النقاش حول هذا الموضوع في بلدان متقدمة كفرنسا، والتي انطلقت منذ سنوات، وإلى غاية اليوم لا يوجد تقدم كبير أو إقرار بقدرة الذكاء الاصطناعي على الحلول محل الإنسان في تصحيح امتحانات الباكلوريا.
ظهرت المقالة الذكاء الاصطناعي في تصحيح “الباك”.. فوائد كبيرة ومخاطر أكبر أولاً على مدار21.




