التجارة العالمية في قبضة طهران.. ماذا يعني فرض إيران رسوماً على عبور “هرمز”؟
تابع المقالة التجارة العالمية في قبضة طهران.. ماذا يعني فرض إيران رسوماً على عبور “هرمز”؟ على الحل نت.
تغير مشهد الملاحة البحرية خلال مضيق هرمز بشكل جذري منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، فبعد أن كانت ناقلات النفط العملاقة تعبر مياه المضيق الهادئة في صفوف منتظمة، متخذة مساراً وسطياً آمناً يفصل بين السواحل الإيرانية والعربية، بات لم يعد أمام أي سفينة تطمح لعبور هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي لا يتجاوز عرضه واحداً وعشرين ميلاً بحرياً سوى سلوك طريق بديل، مفروض عليها بقوة السلاح والتهديد.
في هذا السياق طرحت صحيفة “تلغراف” البريطانية، فكرة فرض إيران رسوماً على عبور الناقلات من مضيق هرمز، متسائلة من يملك حق المرور، ومن يملك حق التعطيل، ومن يستطيع تحويل أحد أهم الشرايين النفطية في العالم إلى مصدر دخل سياسي وأمني طويل الأمد.
من ممر دولي إلى نقطة ابتزاز
المضيق الذي يعبره يومياً جزء كبير من تجارة النفط والغاز في العالم، لم يعد في هذا التصور مجرد ممر مائي تتحرك فيه السفن بحسابات الملاحة والتأمين والمخاطر العسكرية، بل بات أقرب إلى نقطة ابتزاز منظّم، تضع فيها طهران يدها على شريان الطاقة العالمي، وتطالب العابرين بثمن المرور، لا بوصفه رسماً قانونياً معترفاً به، بل باعتباره كلفة فرضتها قوة الأمر الواقع.
وبحسب التقرير، فإن ما يُعرف داخل هذا التصور باسم “بوابة رسوم طهران” يمثل تحوّلاً لافتاً في طريقة تعامل إيران مع المضيق، فالسفن التي كانت، لعقود، تشق طريقها في منتصف الممر الملاحي، وجدت نفسها منذ أواخر فبراير مضطرة إلى اتخاذ مسار بديل، يقترب أكثر من الساحل الإيراني ويمر بين جزيرتي قشم ولارك، حيث تصبح الرقابة أشد، والضغط أكبر، ومجال المناورة أضيق.

هنا لا يتعلق الأمر بتغيير تقني في خط السير فحسب، بل بإعادة تعريف كاملة لقواعد العبور، تجعل من المرور نفسه عملية تفاوض طويلة ومكلفة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات المالية، وتتقدم فيها سلطة الحرس الثوري الإيراني بوصفه الطرف القادر على منح الإذن أو سحبه.
وتصف الصحيفة هذه الآلية بوصفها شبكة غير رسمية وغير قانونية في صورتها الحالية، لكنها شديدة الفاعلية في تكريس النفوذ، فمالك السفينة لا يكتفي بإبلاغ الجهة الوسيطة المرتبطة بالحرس الثوري ببيانات الشحنة والوجهة والمالك النهائي، بل يدخل في سلسلة من الإجراءات التي تحمل في طياتها معنى الخضوع أكثر مما تحمل معنى التنظيم.
رسوم باليوان والعملات المشفرة
يُطلب، وفق التقرير، دفع “رسوم” لا تقل عن دولار واحد لكل برميل، مع ارتفاع الكلفة تبعاً لطبيعة المشغل ومدى “الودية” السياسية أو العملية في التعامل مع المنظومة الجديدة، ولا تسدد هذه الرسوم بالدولار، بل بـ”اليوان الصيني” أو بـ”العملات المشفرة”، في إشارة واضحة إلى رغبة طهران في التحصّن من العقوبات الغربية، وتسهيل تدفق الأموال عبر قنوات أقل شفافية وأكثر قدرة على الالتفاف على القيود المالية الدولية.
تقول التقديرات التي أوردها التقرير إن مرور ناقلة نفط واحدة قد يكلّف في المتوسط نحو مليوني دولار، وهو مبلغ كفيل وحده بتحويل المضيق من ممر عبور إلى خزّان ربح.
وإذا ما استمرت هذه الصيغة، فإن بعض المحللين يعتقدون أنها قد توفر لإيران أرباحاً تقارب 500 مليار دولار خلال خمس سنوات، وهو رقم يفوق في دلالته المردود المالي المباشر؛ إذ يعني عملياً إعادة تمويل الدولة العميقة الإيرانية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، ومنحه موارد ضخمة لإعادة بناء شبكاته العسكرية والاقتصادية والأمنية، وترسيخ حضوره داخل الاقتصاد الوطني والإقليمي على السواء.
ضربة لقواعد الملاحة الدولية
لكن الأخطر في هذا المشهد ليس فقط المال الذي قد تجنيه إيران، بل ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى قواعد الملاحة الدولية، فالمضائق، بخلاف القنوات الاصطناعية مثل قناة السويس وبنما، لا تخضع تقليدياً لرسوم مرور تفرضها دولة بعينها، لأن القانون الدولي، كما يوضح التقرير، يقوم على مبدأ “المرور البريء” في الممرات الضيقة.
ومن هنا يصبح فرض أي رسم من هذا النوع بمثابة كسر لقاعدة قانونية مستقرة، لا مجرد إخلال إجرائي، ولهذا فإن التحول الإيراني، إذا ما تم تثبيته، لن يكون مجرد سابقة إقليمية، بل سابقة دولية تهدد بإعادة كتابة قواعد التجارة البحرية، فحين تُجزّأ حرية الملاحة إلى رسوم أمنية وسياسية، تتحول المضائق من خطوط عبور إلى نقاط سيادة قسرية، وتصبح التجارة العالمية رهينة ميزان الردع بدل أن تكون محكومة بالقانون.

وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر لأن المنطقة الخليجية برمتها تقف على تماس مباشر مع المضيق، فدول مثل الإمارات وقطر والبحرين، بحسب التقرير، لا تمتلك بدائل كافية على مستوى خطوط الأنابيب، كما أن صادرات الغاز الطبيعي المسال لا يمكن نقلها إلا بحراً.
أما دول أخرى، مثل الهند، فقد تضطر إلى إرسال ناقلاتها الخاصة لتحمل بنفسها أعباء “بوابة الرسوم”، في محاولة لضمان استمرار تدفق الطاقة دون انقطاع، غير أن هذا الحل، حتى لو بدا عملياً على المدى القصير، يرسّخ واقعاً جديداً مفاده أن المرور لم يعد حقاً مكفولاً، بل خدمة تُشترى من طرف معادٍ أو خصم جيوسياسي، بما يعنيه ذلك من إهانة استراتيجية للدول الخليجية، وعبء اقتصادي متزايد على المستهلكين والمنتجين والمستوردين معاً.
سلاح اقتصادي بوجه المنطقة
يذهب التقرير إلى أن دول الخليج، حتى لو قبلت مؤقتاً بهذا الواقع تجنباً للتصعيد، لن تتسامح طويلاً مع منظومة تحول جزءاً من ثرواتها إلى نظام قام، في نظرها، بتهديد أمنها وضرب بعض بنيتها التحتية الحيوية.
المعضلة هنا ليست تقنية ولا مالية فقط، بل تتصل بميزان القوة في الشرق الأوسط كله، فإذا تمكنت طهران من تثبيت هذا النظام، فإنها لا تحصل فقط على موارد ضخمة، بل على أداة ابتزاز مستمرة تسمح لها بالتأثير في الأسعار العالمية، ورفع كلفة الشحن والتأمين، وإعادة توجيه مسارات التجارة، وإرباك الأسواق في آسيا وأوروبا وحتى الولايات المتحدة، ومن هنا فإن الرسوم المفروضة على العبور، في حال تحولت إلى واقع دائم، قد تصبح سلاحاً اقتصادياً يفوق في أثره أي ضربة عسكرية قصيرة المدى.
وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى أن بعض المسؤولين في الولايات المتحدة بدوا لفترة وكأنهم يفكرون في التعامل مع المضيق من زاوية مختلفة، لا عبر فتحه بالكامل، بل عبر استثمار إمكان فرض رسوم عليه أو تركه تحت صيغة إدارة مشروطة.
حرية البحار على المحك
لكن هذا المنطق يصطدم، في نهاية المطاف، بفكرة حرية البحار ذاتها، وهي الفكرة التي تشكل ركناً أساسياً في النظام الدولي منذ قرون، فالمبدأ لم يُبنَ فقط لحماية التجارة، بل لمنع القوى الإقليمية من احتكار الاختناق الجغرافي وتحويله إلى أداة إخضاع سياسي.
ومن هنا فإن أي قبول ضمني بالصيغة الإيرانية قد يفتح الباب أمام قوى أخرى، مثل روسيا أو الصين، لتوسيع سيطرتها على نقاط اختناق مماثلة في مناطق نفوذها، ما يضعف البنية القانونية التي تنظّم المرور البحري في العالم.

وتحذر القراءة التي عرضتها التليغراف من أن المكاسب المالية المحتملة للحرس الثوري لن تبقى في حدود الاقتصاد، بل ستنعكس مباشرة على توازنات الداخل الإيراني، فكل دولار يمر عبر هذا النظام قد يتحول إلى رصاصة أو صاروخ أو شبكة نفوذ أو تمويل لمؤسسات موازية داخل الدولة، بما يعزز نموذج “الدولة داخل الدولة” الذي يتقنه الحرس الثوري.
وبدلاً من أن تخرج إيران من الحرب أو الأزمة منهكة، قد تجد نفسها أكثر راديكالية وأكثر تمكيناً وأكثر قدرة على التوسع شرقاً نحو روسيا والصين، في إطار تحالفات اقتصادية وأمنية تتجاوز العقوبات الغربية وتلتف على العزلة الدولية.
سيناريو التصعيد المفتوح
أما على المدى السياسي، فإن أخطر ما في هذا السيناريو هو أنه يدفع الجميع نحو مواجهة أكبر، فالتجارب التاريخية، كما يقول خبراء نقلت عنهم الصحيفة، تُظهر أن محاولات فرض شروط على المضائق الاستراتيجية نادراً ما تنتهي إلى تسوية مستقرة، وغالباً ما تستدعي استخدام القوة أو التهديد بها.
في حالة هرمز، فإن أي نظام رسوم غير متفق عليه دولياً قد لا يعيش طويلاً، لأن الدول المستفيدة من أمن الملاحة لن تقبل بسهولة بتحويل أهم ممر نفطي في العالم إلى إتاوة دائمة، وبين احتمال الضربات المضادة، أو استهداف زوارق الإسناد، أو إعادة فتح المضيق بالقوة، يبدو أن المنطقة قد تُدفع مرة أخرى إلى حافة التصعيد، لا إلى استقرار يرضي الأطراف كافة.
وهكذا، فإن فرض إيران رسوماً على عبور مضيق هرمز لا يعني فقط محاولة لجني المال من التجارة العابرة، بل هو إعلان صريح عن رغبة في إعادة صياغة قواعد القوة في الخليج، إنه مشروع يجمع بين الاقتصاد والإكراه والسيادة المقنّعة، ويحوّل المضيق من ممر دولي إلى بوابة خاضعة لسلطة طرف واحد.
وإذا صحّت التقديرات التي أوردها التقرير، فإن العالم لا يكون أمام نزاع على رسوم عبور فحسب، بل أمام اختبار جديد لمستقبل حرية الملاحة، ولمدى قدرة النظام الدولي على منع تحويل أحد أهم شرايين الطاقة إلى مورد تمويلي دائم لسلطة تريد أن تعيد تشكيل الإقليم من بوابة البحر.
- التجارة العالمية في قبضة طهران.. ماذا يعني فرض إيران رسوماً على عبور “هرمز”؟
- الهول منطقة عسكرية بعد مقتل امرأة برصاص الأمن الحكومي
- إسرائيل تدعم هدنة ترامب مع إيران وتستثني لبنان
- ترامپ حمله به ایران را دو هفته تعلیق کرد؛ آتشبس موقت یا تجدید آرایش؟
- ترامب يعلق قصف إيران لأسبوعين.. هدنة مؤقتة أم إعادة تموضع؟
تابع المقالة التجارة العالمية في قبضة طهران.. ماذا يعني فرض إيران رسوماً على عبور “هرمز”؟ على الحل نت.




