... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
106652 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8452 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

الطفولة في زمن الحرب.. كيف يعيش أطفال غزة تجربة النزوح والخوف؟

صحة
مواطن
2026/04/05 - 09:17 502 مشاهدة

لا يقتصر الدمار في الحروب الطويلة على ما يُرى بالعين من بيوت مهدمة وشوارع محطمة، لكنه يمتد إلى طبقات أكثر عمقًا من الحياة الاجتماعية والنفسية. في قطاع غزة؛ حيث تتكرر الحروب وتتداخل مع واقع الحصار والضيق الاقتصادي، تنشأ أجيال كاملة داخل فضاء يتسم بالتهديد الدائم؛ إذ إن الطفل هنا يواجه الحرب ويعيشها جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة؛ أصوات الطائرات، حركة النزوح، انقطاع الكهرباء والماء والموارد الأساسية، والقلق الذي يسكن وجوه الكبار، كلها عناصر تدخل في تشكيل إدراك الطفل للعالم منذ سنواته الأولى.

منذ السابع من أكتوبر 2023، اتسعت هذه التجربة بصورة غير مسبوقة؛ فمع تصاعد العمليات العسكرية واتساع رقعة القصف، وجد مئات آلاف الفلسطينيين أنفسهم مضطرين إلى مغادرة بيوتهم والانتقال إلى مناطق أخرى بحثًا عن قدر من الأمان، مثّل هذا النزوح الجماعي تحولًا عميقًا في بنية الحياة اليومية. البيوت التي كانت تمثل مركز الاستقرار العائلي تحولت إلى ذكرى، والمدارس التي كانت تشكل فضاء التعليم والعلاقات الاجتماعية أصبحت ملاجئ مكتظة، أو توقفت عن العمل بالكامل بفعل تدميرها أو وقوعها في مناطق خطرة.

في هذه البيئة الصعبة؛ يعيش الأطفال تجربة مركبة تجمع بين الخوف وبين فقدان الاستقرار، الطفل الذي كان يستيقظ صباحًا للذهاب إلى المدرسة، يجد نفسه اليوم في خيمة أو غرفة مكتظة مع أفراد عائلته وعائلات أخرى. تفاصيل الحياة الصغيرة التي كانت تمنح اليوم إيقاعه الطبيعي تختفي تدريجيًا؛ اللعب في الحي، الطريق إلى المدرسة، الجلسات العائلية الهادئة، تتحول كلها إلى ذكريات بعيدة.

النزوح في حد ذاته تجربة قاسية للطفل، لأنه يقطع علاقته بالمكان الذي اعتاد عليه؛ فالمكان بالنسبة للأطفال هو إطار نفسي يشكّل شعورهم بالأمان والانتماء. حين يضطر الطفل إلى مغادرة بيته تحت ضغط القصف، يفقد جزءًا من هذا الإطار، وفي الخيمة أو المأوى المؤقت يجد نفسه داخل بيئة مزدحمة تفتقر إلى الخصوصية؛ حيث تتداخل حياة العائلات وتتقلص المساحات الشخصية إلى الحد الأدنى.

الأثر النفسي للحرب على الأطفال

تنعكس هذه التحولاتُ على الحالة النفسية للأطفال بطرق متعددة؛ فالتعرض المتكرر لأصوات القصف أو رؤية مشاهد الدمار، يخلق حالةً من التوتر المستمر، وكثير من الأطفال يصبحون أكثر حساسية للأصوات المفاجئة، ويظهر لديهم قلق واضح عند سماع الطائرات أو الانفجارات. يعاني بعضهم اضطرابات في النوم، أو من كوابيسَ متكررةٍ، بينما يميل آخرون إلى الانسحاب من التفاعل الاجتماعي.

تحولت البيوت التي كانت تمثل مركز الاستقرار العائلي إلى ذكرى، والمدارس التي كانت تشكل فضاء التعليم والعلاقات الاجتماعية أصبحت ملاجئ مكتظة، أو توقفت عن العمل بالكامل بفعل تدميرها أو وقوعها في مناطق خطرة.

الأخصائية النفسية مي الصوص، التي تعمل مع الأطفال في غزة منذ سنوات، أشارت في حديثها معنا إلى أن الحروب تترك أثرًا عميقًا في البنية النفسية للطفل؛ خصوصًا حين تتكرر لفترات طويلة، وتقول إن الطفل الذي يعيش داخل بيئة مشبعة بالعنف وعدم اليقين، يطوّر نوعًا من اليقظة الدائمة تجاه الخطر، يجعله هذا الشعور يعيش حالةً من الاستعداد المستمر، كأنّ العالم حوله قابل للانفجار في أية لحظة.

وتضيف ميّ الصوص أن كثيرًا من الأطفال الذين تعمل معهم يعانون صعوبةً في التركيز أو الاستمرار في الأنشطة التعليمية، لأن عقولهم تبقى مشغولة بما يحدث حولهم؛ فالحرب تمثل لديهم تجربة حاضرة تتكرر يوميًا في محيطهم المباشر.

أما أنا -الكاتب جواد العقاد- فخلال عملي الميداني مع الأطفال النازحين في أحد المخيمات وسط قطاع غزة ضمن مشروع “رحى”، التابع لمؤسسة عبد المحسن القطان، كان واضحًا لي أن الحرب دخلت بعمق إلى عالم الطفولة. تراوحت أعمار الأطفال الذين شاركوا في الأنشطة بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة، وكان معظمهم من الطالبات اللواتي فقدن إمكانية الذهاب إلى المدرسة النظامية منذ سنتين.

جواد العقاد مع فتيات من غزة

في اللقاءات الأولى، بدت مشاعر الفقد واضحة في أحاديثهن؛ فكثير من القصص التي روتها الفتيات كانت تدور حول لحظات النزوح أو فقدان أحد أفراد العائلة أو تدمير البيت، وتحولت هذه التجارب إلى جزء من السرد اليومي لحياتهن.

إحدى الطالبات، وهي في السادسة عشرة من عمرها، عبرت عن هذه التجربة بجملة قصيرة؛ قالت فيها: “الفقدان يعني مرارة دائمة في القلب”.

لم تكن الجملة محاولة أدبية بقدر ما كانت تعبيرًا مباشرًا عن إحساس متراكم بالخسارة. في مواقف أخرى اكتفت بعض الفتيات بالصمت أو بالبكاء حين طُلب منهن الحديث عن أصعب اللحظات التي مررن بها خلال الحرب. لم تتمكن إحدى الطالبات من إكمال حديثها حين ذكرت أنّ والدها، الذي كان يعمل مسعفًا، استشهد أثناء محاولته إنقاذ جرحى بعد قصف.

تكشف هذه القصص أنّ الأطفال يعيشون الحرب تجربةً شخصيةً تمسُّ حياتهم اليومية؛ حيث يرتبط الفقد لديهم بأسماء ووجوه وذكريات عائلية.

لغة جديدة لطفولة الحرب

في أحد الأنشطة، طلبت منهنّ كتابة العبارة التي تخيفهنّ أكثر من غيرها؛ فكتبت إحدى الفتيات كلمتين فقط: “وحش الحرب”. كانت الكلمات قليلة، لكنها تكشف عن صورة ذهنية للحرب كقوة غامضة تقتحم الحياة اليومية دون إنذار.

يكشف هذا النوع من التعبير كيف تتشكل اللغة لدى الأطفال في ظل الحرب؛ فالمفردات التي تظهر في أحاديثهم ونصوصهم ترتبط مباشرة بتجربتهم اليومية: الطائرة، الصاروخ، الركام، النزوح والخيمة. لا تأتي هذه الكلمات من الخيال؛ بل من واقع يحيط بهم باستمرار.

ومع ذلك، لا تعني هذه التجربة أن الأطفال يفقدون قدرتهم على التكيف، على العكس؛ فكثير منهم يحاول إيجاد طرق مختلفة للتعامل مع الواقع القاسي؛ حيث يلجأ بعضهم إلى الرسم أو اللعب أو الحديث مع الأصدقاء، بينما يجد آخرون في الكتابة وسيلة للتعبير عن مشاعرهم.

كثير من القصص التي روتها الفتيات كانت تدور حول لحظات النزوح أو فقدان أحد أفراد العائلة أو تدمير البيت، وتحولت هذه التجارب إلى جزء من السرد اليومي لحياتهن

هذه الوسائل لا تلغي الألم الذي تتركه الحرب، لكنها تساعد الأطفال على تنظيم تجربتهم النفسية؛ فحين يعبر الطفل عن خوفه أو حزنه فإنه يضع هذه المشاعر في إطار يمكن فهمه والتعامل معه.

الأطفال الذين يكبرون اليوم في غزة، يعيشون مرحلة استثنائية في تاريخهم الشخصي والجماعي، وتسهم الحرب التي تحيط بهم في تشكيل إدراكهم للعالم منذ سنّ مبكرة، وستبقى الصور التي يشاهدونها اليوم جزءًا من ذاكرتهم لسنوات طويلة، كما ستصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع.

ذاكرة الحرب ومستقبل الجيل

السؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه الظروف يتعلق بما سيحدث لهذه الذاكرة في المستقبل؛ فالأطفال الذين عاشوا تجربة الحرب سيكبرون وهم يحملون قصصها في داخلهم. الطريقة التي سيتعامل بها المجتمع ومؤسساته مع هذه التجربة ستحدّد إلى حدّ كبير شكل السنوات القادمة.

في النهاية، ما يعيشه أطفال غزة تجربة عميقة تشارك في تشكيل وعي جيل كامل. هذا الجيل يكبر وسط مشهد من الدمار والخسارة، غير أنه يحمل أيضًا قدرة لافتة على الإبداع. كما نستطيع القول بأن داخل هذا التناقض بين الألم والقدرة على الاستمرار، تتشكل ملامح الطفولة في غزة، طفولة تعرف الحرب جيدًا، وتحاول -رغم ذلك- أن تجد طريقها نحو الحياة.


  • الآراء الواردة في هذا المقال تُعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة مواقف وآراء “مواطن”.

The post الطفولة في زمن الحرب.. كيف يعيش أطفال غزة تجربة النزوح والخوف؟ appeared first on مواطن.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤