الطب لا يُقاس بنية الفعل
د. علي المبروك أبوقرين
لم يعد كافيًا أن نُحسن النوايا ولا أن نُتقن الحفظ ولا أن نُجيد اجتياز الاختبارات ونحصد الشهادات فالعالم تغير والمرض تغير والإنسان الذي نُعالج لم يعد مجرد حالة سريرية تُصنف وتُعالج، هو كيان مركب يتقاطع فيه البيولوجي مع النفسي والاجتماعي مع السلوكي والوراثي مع البيئي، ومن هنا لم يعد الطب يُقاس بما ينويه الطبيب بل بما يُحققه فعليًا في حياة المريض نتيجة تُرى وأثر يُقاس ومسار يُوثق.
وهذه الحقيقة تفرض سؤالًا جذريًا هل ما زال تعليمنا الطبي يُنتج طبيبًا قادرًا على تحقيق هذه النتيجة أم أنه لا يزال يُعيد إنتاج نموذج قديم في عالم لم يعد يشبهه، لقد بُني التعليم الطبي لعقود على فصل حاد بين العلوم الأساسية والعلوم الإكلينيكية، ويدرس الطالب الجسد في قاعات نظرية ثم يُطلب منه فجأة أن يفهم الإنسان في سرير إكلينيكي.
لكن هذا الانفصال لم يعد مقبولًا لأن الطب الحديث يتطلب دمجًا حيًا بين التشريح والوظيفة، وبين الكيمياء الحيوية والقرار السريري، وربطًا مباشرًا بين الآلية المرضية والتدبير العلاجي، وفهمًا أن كل عرض هو قصة بيولوجية ونفسية في آن واحد، إننا بحاجة إلى تعليم يُفكك الحواجز بين المعارف ويُعيد تركيبها داخل عقل قادر على الربط وليس الحفظ فقط.
ولم تعد المعلومة نادرة بل أصبحت فائضة، والتحدي لم يعد في ماذا تعرف إنما في كيف تفكر، فالطبيب اليوم يجب أن يكون محللًا للأدلة وقادرًا على الشك المنهجي وناقدًا لما يُقدم له لا تابعًا له، وهنا يلتقي التعليم الطبي مع روح الطب القائم على البراهين ولكن بصورة أعمق، بتطبيق الدليل وفهم حدوده وسياقه وانحيازاته.
ولم يعد الطبيب يعمل في فراغ فهو جزء من نظام معقد يتداخل فيه القرار البشري مع التكنولوجيا والسرعة مع الدقة، وهنا تبرز ضرورة إتقان التقنيات التشخيصية الحديثة والأنظمة الرقمية والسجلات الصحية المتكاملة وأدوات الذكاء الاصطناعي التي لم تعد خيارًا بل شريكا في القرار، لكن الخطر يكمن في أن يتحول الطبيب إلى مشغل آلة وليس صانع قرار، ولهذا يجب أن يُدرب على فهم التقنية لا مجرد استخدامها، وعلى نقد مخرجاتها وليس التسليم بها، وعلى دمجها مع حكمه السريري لا استبداله بها.
والطب الذي ينتظر المرض ليُعالجه هو طب متأخر، أما الطب الذي يمنع المرض قبل أن يبدأ فهو الطب الذي يستحق المستقبل، وهنا ننتقل من التشخيص إلى التنبؤ ومن العلاج إلى الوقاية ومن التدخل إلى التمكين، ويبرز مفهوم التشافي الذاتي كجزء من هذا التحول من خلال تعزيز قدرة الجسد على التوازن، ودعم أنماط الحياة الصحية، وفهم العوامل التي تُنتج المرض قبل ظهوره.
وأخطر ما يمكن أن يقع فيه الطب هو أن يختزل الإنسان في عضو أو تحليل أو صورة أشعة، لأن طب الإنسان يعني الاستماع وليس الأعراض فقط بل للسياق وفهم الخوف قبل المرض، وإدراك أن الكلمة قد تكون علاجًا كما أن الصمت قد يكون أذى، وهنا يصبح التواصل مهارة علاجية بامتياز وليس مهارة تكميلية، ويصبح الإنصات جزءًا من التشخيص.
ولم يعد التخرج نهاية التعلم بل بدايته، فالطب يتغير بسرعة والمعرفة تتضاعف وما كان صحيحًا بالأمس قد يُراجع اليوم، ولذلك لا بد من تدريب مستمر وغير متقطع، وتقييم دوري للكفاءة، وثقافة تعلم مدى الحياة وليس اكتفاء مؤقت.
ورغم كل هذا التقدم يبقى سؤال لا يمكن تجاهله ما هو الطب في جوهره هل هو علم أم مهارة أم رسالة إنسانية؟ والحقيقة أنه كل ذلك لكنه قبل كل شيء فلسفة ترى الإنسان كغاية وليس وسيلة وترى المعرفة مسؤولية وليس امتياز، وترى الخطأ فرصة للتعلم لا مبررًا للتكرار.
إن الانتقال من نية الفعل إلى نتيجة الفعل ليس مجرد تعديل لغوي إنما تحول حضاري في فهم الطب نحو طب يُبنى على التكامل وليس التجزئة وعلى التفكير وليس التلقين وعلى النتائج لا المبررات وعلى الإنسان وليس المرض، طب لا يكتفي بأن يقول حاولنا بل يلتزم أن يسأل ماذا حققنا، ولماذا وكيف نكون أفضل، وهنا فقط لا يصبح الطبيب مجرد ممارس إنما يصبح صانع ماهر.
The post الطب لا يُقاس بنية الفعل appeared first on الموقف الليبي.





