... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
198118 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7917 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

الطب بين الحقيقة والدعاية والتضليل

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/16 - 21:35 501 مشاهدة

د.علي المبروك أبوقرين

الطب ليس إعلانًا والإنسان ليس وسيلة دعائية والمريض، ليس مادة للترويج ولا قصة نجاح تُقص وتُباع على الشاشات والمنصات، ولا يجوز أن تتحول لحظات الضعف الإنساني إلى محتوى يُستهلك ولا أن تُنتهك الخصوصية تحت أي ذريعة ولا أن يُختزل الشفاء في اسم أو صورة أو مقطع، لأن الشفاء علم تراكمي ونظام متكامل وجهد جماعي وليس معجزة فردية تُنسب إلى شخص مهما بلغت كفاءته ومهما علا شأنه.

إن الادعاء بنتائج مطلقة والترويج لعلاج نهائي والتباهي بأولية شكلية أو جهاز جديد أو حالة استثنائية تُقدم وكأنها قاعدة عامة هو تضليل صريح يوقع الناس في أوهام ويُغريهم بقرارات خطرة ويُعيد تشكيل توقعاتهم على أساسٍ زائف، ويُحول الثقة إلى سلعة تُشترى بالصور والشعارات لا تُبنى بالمعايير والنتائج الموثقة والشفافية العلمية، والادعاء بأن الشفاء لم يكن إلا على يد فلان أو علان هو محو لدور النظام الصحي كله وتعد على حقيقة أن الرعاية الصحية منظومة متكاملة تبدأ من الوقاية ولا تنتهي عند العلاج، وتشمل فرقًا متعددة وتخصصات متداخلة ومسارات واضحة لا تختزل في فرد ولا في مؤسسة واحدة.

والأخطر من ذلك أن هذا النمط من السلوك لا يكتفي بالتضليل بل يُكرس اقتصاد المرض ويُغذي ثقافة السوق داخل المهنة، فيدفع نحو طلب مُصطنع على إجراءات قد لا تكون لازمة، ويُشجع على الإفراط في الفحوصات والعلاجات ويُضعف الانضباط المهني، ويُحول القرار الطبي من قرار مبني على المصلحة الفضلى للمريض إلى قرار متأثر باعتبارات الظهور والربح والتنافس على الحصة السوقية، وهنا يصبح الضرر مزدوجًا ضرر مباشر على المرضى وضرر عميق على ثقة المجتمع في الطب وفي مؤسساته، إن التظاهر بالثراء والاستعراض بالممتلكات وربطها ضمنيًا بالكفاءة الطبية ليس فقط سلوكا غير لائق إنما هو رسالة مضللة تُعيد تعريف النجاح المهني بمعايير خارج جوهر المهنة، وتدفع الأجيال الجديدة نحو نموذج مشوه يرى في الشهرة والترف غاية وليس في الإتقان والضمير والالتزام بالمعايير وهذه بداية تفكك أخلاقي إن لم تُواجه بحزم ستتسع رقعته ويصعب احتواؤه، هذه الممارسات في معظم الأنظمة التي تحترم الإنسان وتُقدس المهنة تُقابل بأطر تنظيمية صارمة تُجرم الإعلان المضلل وتمنع استغلال صور المرضى وتُلزم بالإفصاح الصادق عن المخاطر والنتائج وتُحظر الادعاءات المطلقة وتُقيد استخدام الألقاب والتفخيم غير المستند إلى اعتماد علمي، وتُخضع المحتوى الطبي للرقابة المهنية قبل النشر لأن الكلمة في الطب قد تُنقذ وقد تُهلك والصورة قد تُطمئن وقد تُضلل.

إن مسؤولية إيقاف هذا الانحراف لا تقع على جهة واحدة بل هي مسؤولية منظومة كاملة تبدأ من الجهات التنظيمية التي يجب أن تُفعل القوانين بلا تردد وأن تضع معايير واضحة للإعلان الطبي وأن تُنشئ آليات رصد فاعلة على المنصات وأن تُوقع عقوبات رادعة على كل تجاوز يصل إلى حد التضليل أو انتهاك الخصوصية أو الادعاء الكاذب، وتشمل المؤسسات الصحية التي يجب أن تضع سياسات داخلية صارمة تمنع استخدام المرضى في الدعاية وتُلزم بالتحقق العلمي لكل ما يُنشر، وتشمل النقابات والهيئات المهنية التي يقع على عاتقها حماية أخلاقيات المهنة ومساءلة أعضائها، وتشمل وسائل الإعلام التي يجب أن تلتزم بميثاق مهني يرفض الترويج المضلل ويُعلي من قيمة التثقيف الصحي المسؤول، وتشمل الأطباء أنفسهم الذين أقسموا على صون كرامة الإنسان قبل أي اعتبار والذين يجب أن يدركوا أن الثقة التي يمنحها المجتمع لهم لا تُشترى ولا تُسوّق بل تُصان بالسلوك قبل القول.

ولا يقل دور المجتمع أهمية إذ يجب تعزيز الوعي بأن الصحة لا تُقاس بعدد المتابعين ولا بحجم الإعلانات ولا ببريق الصور وأن القرار الصحي لا يُبنى على مقطع دعائي بل على استشارة موثوقة ومسار طبي واضح، وأن المطالبة بالحق في الصحة تشمل أيضًا المطالبة بالحماية من التضليل ومن الاستغلال.

إننا أمام ظاهرة مقلقة تستدعي موقفًا حازمًا لا يحتمل المجاملة لأن تركها يتمدد يعني القبول بتحويل المهنة إلى سوق مفتوحة وبجعل المريض هدفًا للتنافس وليس موضوعًا للرعاية وبإضعاف الثقة التي هي حجر الأساس لأي نظام صحي، وإذا سقطت الثقة سقط معها كل شيء، إن الطب رسالة وليس مسرح، والطبيب مؤتمن وليس مُسوّق، والمريض إنسان وليس محتوى، وكل ما يخالف ذلك ليس اجتهادًا مهنيًا إنما خروج صريح عن أصول المهنة وأخلاقياتها وانتهاكٌ لحق الإنسان في رعايةٍ صادقة وآمنة وكريمة، وما لم يُواجه هذا الانحراف بقوة القانون وصرامة الضمير ووضوح المعايير فإنه سيتحول من ظاهرةٍ مقلقة إلى واقع راسخ يصعب اقتلاعه، وحينها لا نخسر صورة المهنة فقط بل نخسر جوهرها ومعناها والإنسان الذي وُجدت لأجله.

نرجوا إبعاد مهنة الطب النبيلة عن الدعايات والتضليل والاستعراضات والتباهي والتفاخر والشهرة والإعلانات التسليعية والتسويقية.

The post الطب بين الحقيقة والدعاية والتضليل appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤