التعاطف مع إيران .. "التصهين" صك اتهام وازدواجية المعايير أمام الإنسان
في هذا المقال، يتناول الصحافي المغربي هشام تسمارت مسألة التعاطف مع إيران في سياق الصراعات الإقليمية الجارية، وما يرافقه من انقسام حاد في المواقف داخل الرأي العام العربي. وينطلق الكاتب من ملاحظة أن متابعة الحروب لم تعد مجرد مشاهدة للأحداث، بل أصبحت ساحة واسعة لإصدار الأحكام وتشكّل الاصطفافات، حيث تختلط السياسة بالانفعال وبالاعتبارات الأيديولوجية.
ومن خلال هذا السياق، يطرح المقال إشكالية ازدواجية المعايير في التعامل مع أطراف الصراع، خاصة حين يُمنح التعاطف بشكل انتقائي لطرف دون آخر، بغض النظر عن طبيعة الأفعال أو آثارها الإنسانية. ويقارب تسمارت هذه الظاهرة بوصفها خللا في منطق التقييم الأخلاقي، حيث تُختزل قضايا الإنسان في سرديات سياسية، وتُعاد صياغة مفهوم العدالة وفق الانتماء لا وفق المبدأ.
وهذا نص المقال:

قلما يتاح للناس أن يكونوا شهودا على حروب إقليمية، سواء عن قرب أو من وراء شاشات، ببساطة، لأن المواجهات التي تخاض على هذا النطاق الواسع لا تتكرر بين الفينة والأخرى، وفاتورتها أثقل من الاحتمال.
وبما أن الصراع العسكري المحتدم حاليا بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة مقابلة يجري في الشرق الأوسط، فطبيعي أن يواكبه الناس في منطقة “MENA”، ويصطفوا إزاءه، نحلا ومللا، بتعبير الشهرستاني.
إلى هنا الأمور تبدو طبيعية، فالناس في زمن منصات، والآراء لا يحجر عليها، لكن الاختلال يطفو فجأة على السطح حين يقفز طرف من أطراف النقاش ويعتبر موقفه هو الأسلم أخلاقيا، والأكثر إنصافا ودقة في تحديد المعتدي والمعتدى عليه أو عليهم.
المعجبون بإيران مثلا، عندهم صك اتهام جاهز لكل من خالفهم وهو “التصهين”، كما لو أن إدانة طهران تعني بشكل تلقائي تزكية نتنياهو.
وعليه، فمن منظورهم، لا ضير في قصف منشآت مدنية مثل المطارات والفنادق في دول خليجية، ما دام متحدث مقر خاتم الأنبياء الإيراني يخبرهم في فيديوهاته الدعائية كل مساء بأن المعركة ضد الأشقاء مشروعة، وبأن مسوغ الاستهداف هو وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيهم.
وهؤلاء يلتمسون الأعذار لإيران أكثر مما يفعل رئيسها مسعود بزشكيان، الذي خرج في مقطع فيديو واعتذر بصريح العبارة عن ضرب الجيران.
لكن الرئيس المغلوب على أمره تعرض للتوبيخ، وتواصل إطلاق وابل من المسيرات والصواريخ الباليستية على دول نقلت رسالة صريحة قبل الحرب، مفادها: لن نفتح لكم قواعدنا حتى تضربوا منها.
هذا الإحجام أغاظ ساسة أمريكيين مثل السيناتور ليندسي غراهام، الذي عاتب الحلفاء على عدم الدخول على خط الحرب وإيثار الصبر الاستراتيجي.
طبعا، الوازع لدى كثيرين في موالاة إيران هو سرديتها عن الحقوق الفلسطينية، فبالنسبة لهم، يحق لها أن تنثر النيران كما يحلو لها ما دامت تخوض حربا ضد إسرائيل، أما عشرات الملايين من البشر الذين يعيشون في بلدان الخليج فلا بأس أن يجري اتخاذهم دروعا بشرية من أجل الضغط على الرئيس الأمريكي.
وبالمناسبة، غض الطرف عن التجاوزات الإيرانية ليس أمرا جديدا؛ ففي الأزمة السورية، لم يستطع المؤدلجون المعجبون بإيران أن يدينوا قتال نظام الملالي في صف بشار الأسد.
غفروا كل الخطايا والمجازر، على نحو براغماتي، حتى وإن كان نظام البعث قد قصف مواطنيه بالبراميل المتفجرة وبالسلاح الكيماوي في غوطة دمشق.
وحتى الإسلاميون الذين لم يقفوا مع بشار الأسد، لأن حماس خرجت من دمشق ثم صالحته لاحقا، صفحوا عن إيران واعتبروا قتالها ضد إسرائيل خطوة كافية لغسل العار السوري، كما لو أن حياة الإنسان في بقعة من الأرض أقل شأنا من حياة أخيه الإنسان في بقعة أخرى.
ليس ذلك فقط، فاللبنانيون الذين يصيحون كفى من الحرب، ولا نريد لنعيم قاسم أن يزج بلبنان في معركة غير متكافئة من أجل الثأر لمقتل علي خامنئي، يقال لهم: استسلاميون ومتخاذلون.
هل نقبل في المغرب مثلا أن يكون عندنا حزب ممول من دولة إقليمية يملك خيار السلم والحرب، وفق تقديراته، ويمكنه في أي لحظة أن يفتح مواجهة باسم الإسناد تقتل وتصيب وتشرد الآلاف.
أما دول الخليج الصديقة، والأقرب إلى مصالحنا، فيجري تصويرها بشيطنة فقط لأنها آثرت أن ترسي مشاريعها الوطنية وتركز على مواطنيها، وتنأى عن سرديات لا تجلب سوى الخراب.
وبمجرد تداول مقاطع لآثار اعتداءات إيرانية في مدن خليجية، كانت تقابل بحالة تشف، وبصفاقة قل نظيرها، طلب ممن أدانوا أن يصمتوا لأن المعركة في تصورهم معركة أمة، ومن تؤذيهم إيران مجرد أضرار جانبية وهامشية.
المعضلة ليست في إبداء رأي، وإنما في النظر لدولة ثيوقراطية بددت ثروات شعبها على طموح التوسع على أنها فاعل نبيل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وحتى الموقف الرسمي للمغرب الذي كان صريحا في الوقوف مع الأشقاء، تناوله البعض على أنه مصلحي وليس مبدئيا، كما لو أن من يشجب إيران يجافي الفطرة وناموس الحق.
لكنها فعلة الأيديولوجيا، وما صاحبها من الاختزال، لا سيما في منطقة شمال إفريقيا حيث ينظر أناس كثر لصراعات طاحنة بطوباوية و”محددات شعاراتية”، لأن أذى إيران لم يصلهم بعد ثورة الخميني.
وثالثة الأثافي أن بعضا ممن يستأسدون عندنا في رفع شعارات ضد السلطة في سياق السياسة وملفات حقوق الإنسان، تجدهم أشد الناس إعجابا بكوريا الشمالية وفنزويلا وإيران وكوبا، باعتبارها نماذج صمود، حتى وإن اندحرت إلى قاع فشل سحيق.
عجبا.
The post التعاطف مع إيران .. "التصهين" صك اتهام وازدواجية المعايير أمام الإنسان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





