"السيّد لا أحد" يُقلق الكرملين... روسيا تعاقب وثائقياً "أوسكارياً" بمنعه
بلغت الحرب الطويلة التي يشنّها الكرملين على السرديات المستقلة نقطة اشتعال جديدة أمس، بعدما أصدرت محكمة روسية قراراً بحظر الفيلم الوثائقي "السيّد لا أحد في مواجهة بوتين" المتوّج أخيراً بالـ"أوسكار".
القرار الصادر عن المحكمة المركزية في منطقة تشيليابينسك حيث صُوّر الوثائقي، قضى بالإزالة الفورية للفيلم من أبرز منصات البث المحلية، بما فيها "في كاي-فيديو" و"ياندكس" الواسعتي الاستخدام في روسيا. وقد نجحت النيابة العامة في إثبات أنّ الوثائقي يروّج لـ"مواقف سلبية" تجاه الحكومة الروسية وما تصفه بـ"العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا.
من المدارس إلى مسرح "دولبي"
الفيلم من إخراج الأميركي ديفيد بورنتسين - إلى جانب المدرّس الروسي السابق بافيل "باشا" تالانكين - ويقدّم عملاً جريئاً لا يوارب في مقاربته عمليات البروباغندا والتلقين واسعة النطاق التي تجري، على نحوٍ ممنهج، داخل النظام التعليمي الروسي.

يشير "السيّد لا أحد" في عنوان الفيلم إلى تالانكين نفسه، وهو مصوّر فيديو في مدرسة ابتدائية تقع في بلدة كاراباش الفقيرة. وقد أُوكلت إليه في البداية، من قبل الدولة، مهمّة توثيق الأنشطة المدرسية "الوطنية" لأغراض الأرشفة الداخلية، غير أنّه أمضى عامين في تسجيل الواقع خفيةً، موثّقاً ما يُعرف ببرنامج الكرملين "أحاديث حول الأمور المهمّة"، وهو منهج إلزامي صُمّم لتبرير غزو أوكرانيا في أذهان الأطفال.
في عام 2024، فرّ تالانكين من روسيا حاملاً "أقراصاً صلبة" (hard drives) أخفاها داخل أمتعته، قبل أن يتعاون لاحقاً مع بورنتسين لتحويل اللقطات الخام المُهرّبة إلى عمل سينمائي. وتُوِّجت رحلة الفيلم في 15 آذار/مارس 2026، بفوزه بـ"أوسكار" أفضل فيلم وثائقي طويل، وهي المرة الثالثة خلال هذا العقد يحصد فيها عمل ينتقد نظام بوتين هذه الجائزة.
آلية التلقين "الوطني"
تكشف أكثر مشاهد الوثائقي قسوةً كيف توظّف الدولة الروسية الصفّ الدراسي بوصفه جبهةً موازية. فهو يرصد طقوسَ الحرب؛ حيث يظهر أطفال لا تتجاوز أعمارهم سبع سنوات وهم يتدرّبون على تمارين عسكرية ويكتبون "رسائل إلى الأبطال" على خطوط الجبهة. كما يلتقط الاعتراض الرمزي؛ إذ يحضر في الفيلم بشكل لافت العلم الأبيض-الأزرق-الأبيض، رمز الحركة الروسية المناهضة للحرب، والذي استندت إليه المحكمة لتصنيفه ضمن "الرموز المتطرفة والإرهابية" في قرار الحظر.

كذلك يوثّق الفيلم تآكلَ المساحات الرمادية؛ إذ يسجّل تالانكين والدته، أمينة مكتبة مدرسية، وهي تقلّل من شأن مخاوفه، في مشهد يعكس فجوةً بين الأجيال، ويكشف عن "أفعال تواطؤ صغيرة" تسهم في استدامة النظام.
استياء روسي
جاء ردّ الحكومة الروسية مزيجاً من الصمت المدروس والتصعيد القانوني الانتقائي. فبينما أعلن الكرملين رسمياً أنه "لم يشاهد" الفيلم، شنّ المجلس الرئاسي لحقوق الإنسان هجوماً غير مباشر، متهماً صنّاعه باستخدام لقطات لأطفال قاصرين من دون موافقة أولياء أمورهم؛ وهي خطوة رأى فيها مراقبون دوليون ذريعةً لتبرير الرقابة.
وزعم قرار المحكمة الأخير أنّ الفيلم "يروّج للتطرف" من خلال تصوير الدولة الروسية في صورة سلبية. ويأتي ذلك في سياق نمط أوسع من "تنقية" الفضاء المعلوماتي الروسي؛ إذ أُدرجت، في العام الماضي مذكّرات أليكسي نافالني "الوطني" على اللائحة السوداء بالمثل.
من خلال حظر "السيّد لا أحد في مواجهة بوتين"، تكون السلطة القضائية الروسية قد منحت، من حيث لا تدري، صدقيّة لفرضية الفيلم الجوهرية؛ ففي دولة تقوم على ضبط السرديات والتحكّم بها، يغدو الفعل البسيط لـ"مجهول" يوثّق الحقيقة تهديداً مباشراً لأسس السلطة ذاتها.



