السياسي والفيلسوف
منْ يتكلّم ليُخفيَ، ومَن يصمتُ ليُفْصِحَ؟
ما الذي يحدُث حين يتكلّم السّياسي، وحين يصمتُ الفيلسوف؟ هل اللّغة عندهُما وسيلة للفهم أم أداة للتَّمويه؟ ما المسافةُ بين خطابٍ يُطمئن الجماهير وخطاب يُربكها بالسُّؤال؟ أيُمْكنُ أن تتعايشَ البلاغة التي تُخفي مع الفكرة التي تَكْشفُ؟ وهل يُمكن للكلمة أن تكونَ في آنٍ واحدٍ وعْدًا بالحَقيقة وسِتارًا يحْجُبها؟ لعل الفارق بينهما ليس فيما يقُولانِ، وإنّما فيما يَقصدانِه حين يقُولان: أحدُهما يطلبُ الصَّدى، والآخر يطلبُ المعنَى.
بين بَريقِ القوْل وضَوء الفِكْرة
لعلَّ الفرق بين السّياسيّ والفيلسوف لا يقوم على تباين اللغة التي يتوسّلان بها، وإنما على اختلاف الغايات التي تؤطّر هذا التوسّل وتحدّد وجهته. ينزع خطابُ السّياسي إلى “التّغطية”، وإلى “نسج” غلافٍ لغويّ يطمئن السّامعين ويؤمّن تماسك الجماعة، بينما خطاب الفيلسوف يتّجه نحو “الكشْف”، نحوَ “تعْرية” العالم من أوهامه وإظهاره على حَقيقته، مهما كانت مُؤلمة أو مُربكة. السّياسي لا يبتغي الحقيقة في ذاتها، وإنما يبحث عن صياغة قابلة للتّداول، تمرّ دون أن تُخيف الناس أو تُغضب المموّلين، في حين أن الفيلسوف يشكّ في كل صياغة جاهزة، لأنه يُدرك أن اللّغة ليست مستقرّ الحقيقة، بقدر ما هي فضاءُ الْتِباسِهَا.
يقيسُ السياسي كلماته بمَوازين الرأي العام وتقلُّباته، بينما يقيسُ الفيلسوف قوله بمقدار صدقه مع صمته الداخلي. لذلك، حين يزلّ السياسي يعتذر بعبارة تقنية من قبيل “وقع سوء فهم”، أما الفيلسوف فيحوّل خطأه إلى موضوع للتفكير، ويكتب عنه بحثًا جديدًا في معنى الخطأ ذاته. ورغم هذا التعارض الظاهر، تظل بينهما علاقة خفية من الحاجة المتبادلة: فالفيلسوف يحلمُ بعالمٍ عادل، والسّياسي لا يستطيع تبرير وجوده دون أن يتلفّظ بكلمة “العدالة”. كأن كليْهما وجهان لشخص واحد انقسم إلى نصفين: نصفٌ يسعى إلى الضّوء، ونصفٌ يسعى إلى الميكروفون؛ الأول يبحث عن الفهم، والثاني عن الصَّدى.
يكتبُ الفيلسوف ليُحرّر الإنسان من الأوهام التي تحيط به، ويخطبُ السياسي ليصوغ له وهماً جديداً يستطيع أن يعيش فيه بسلام. حين يتأمّل الفيلسوفُ بهدوء في معنى “الوجود”، يكون السياسي منشغلاً في قاعة مزدحمة بتفسير “المرحلة”. وعلى هذا النحو، يعيدُ الفيلسوف تعريف العالم، بينما يعيدُ السّياسي تسويقَه. وفي نهاية المطاف، لعلّهما يلتقيان عندَ إدْراكٍ واحد: أنَّ اللغة أداة سُلطة لا تقلّ خطراً عن السّلاح، غير أن الفارق بينهُما يكمُن في الغَاية؛ فالفيلسوف يصقلها لتُنير، والسياسي يلمّعُها لتُعْمِيَ.
شذراتٌ عن لُغتين تسْكنان الإنسانَ
ليس من عادتي كتابة الشذرات، تبدو لي أحيانًا مثل القَفز على أمْواج من غير شِرَاع، يختلطُ فيها الانفعال بالخَيال. ومع ذلك، أؤمن أنه بإمكانها أن تتحوَّل إلى نصوص غنية إذا رُصّت الأفكار وصيغت بدقة، بحيث يجد القارئ فيها خيطًا واضحًا يربط بين هذه الفكرة أو تلك، فتتحول الجُمل إلى لَوْحة مُتكاملة، نابضة بالحَياة، تمنحُ القراءة مُتعة الاسْتكشاف. وعلى هذا النَّحو، أقدِّمُ هذه الشذرات بوصفها إشاراتٍ مُنفتحة على احتمالات التَّأويل باعتباره حوارًا بين اللُّغة والدَّهشة:
السّياسي يبيعُ الأحلام بالتّقسيط؛
والفيلسوف يوزّع الشَّك بالمجان.
في قاموس السّياسي، الحقيقة مؤجَّلة دائمًا إلى” المرحلة المقبلة”؛
في قاموس الفيلسوف، المرحلة المقبلة هي الحقيقة ذاتها.
السياسيّ يقرأ نيتشه ليوهم بالعمق؛
والفيلسوف يقرأ الخطابات السياسيّة ليستكشف الحدود القصوى لابتذال السطحيّة.
اللغة عند السّياسي وسيلة للهُروب،
وعند الفيلسوف وسيلة للمُطاردة.
السّياسي لا يهمه أن يكون صادقًا، يكفيهِ أن يبدوَ مُقنعًا؛
الفيلسوف لا يهمّه أن يُقنع، يكفيه أن يكون صادقًا مع شَكِّه.
حين يقول السّياسي ” لقد فهمتكُم”، تبدأ الكارثة؛
وحين يقول الفيلسوف ” لمْ أفهم بَعد”، تبدأ المعرفة.
السّياسي يصنعُ الشّعارات لتغطي العجز؛
الفيلسوف يصنعُ المفاهيم ليكشف العجْز نفسه.
في العَالَم السّياسي، الصمتُ علامةُ ضُعف؛
في العالَم الفلسفي، الصّمت بدايةُ الحِكمة.
السّياسي يتكلمُ بضمير الجَمع ليخفي ذنْبه الفَردي؛
الفيلسوفُ يتكلَّم بصيغة المفرد ليحملَ خطيئة الجَميع.
حين يخطئُ السّياسي، يُنشئ لجنةَ تحقيق؛
حين يخطئُ الفيلسوف، يُنشئ مفهومًا جديدًا.
السّياسي يحلمُ بالسُّلطة الأبدية؛
والفيلسوف بالمعنى المؤقت الذي لا يمُوت.
السياسي يبدّل المواقفَ كما يبدّلُ ربطة عُنقه؛
الفيلسوفُ لا يبدّل مَوقفًا إلا بعد أن يغيّر رُوحَه.
السِّياسي يعيشُ في المستقبل الذي لن يأتي؛
الفيلسوفُ يعيشُ في الحاضر الذي لا يُحْتمل.
السّياسي ينامُ على الشعارات؛
الفيلسوف يسهرُ على الجُمَل النَّاقصة.
السّياسي يتحدثُ عن الشّعب كما يتحدثُ المالكُ عن عَقاره؛
الفيلسوف يتحدثُ عن الشَّعب كما يتحدث الحَالِم عن ألمَهِ.
في النهاية، وعلى مَرأى الجميع:
السِّياسي يتحدثُ بالوُعود؛
والفيلسوف يتحَّدث بالأسْئلة.
مَنْ الأقربُ إلى الحَقيقة؟
هل يمكنُ للكلمة أن تظلَّ بريئةً بين من يستخدمها للتَّنوير ومن يُوظّفها للتَّضْليل؟ وهل يُمكن للّغة أن تخدم الحقيقة والسّلطة في آنٍ واحد؟ أليْس كُلّ خطابٍ، مهما بدا صادقًا، يحملُ في طيّاته رغبة في التأثير والسَّيطرة؟ لعل السؤال الأعمق هوَ: من منهُما أقربُ إلى الحقيقة: السّياسي أم الفيلسوف؟ ومن يُحاول أن يكشفَها، ومن يعرفُ كيف يُخْفيها؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
The post السياسي والفيلسوف appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

