وهنا تحديدا يكمن خطر إساءة قراءة اللحظة الراهنة. فمن السهل الخلط بين التشدد الذي تفرضه الحرب وبين تحول أيديولوجي حقيقي. فالمشهد يبدو واضحا وقاسيا في آن واحد: "مرشد أعلى" جديد، مجتبى خامنئي، يفتقر إلى القدر نفسه من الاستقلالية والنفوذ الذي تمتع به والده الراحل، وهو وضع يرجح أن يستمر بينما يحاول تثبيت موقعه. وهناك طبقة سياسية تقلصت بعد أن فقدت كثيرا من أكثر شخصياتها السياسية والعسكرية خبرة. كما أن المؤسسات الأمنية، وفي مقدمتها "الحرس الثوري"، باتت أكثر حضورا في صناعة القرار وأكثر ميلا إلى فرض رؤيتها. وأصبح الخطاب الرسمي للنظام أكثر انضباطا وأقل تسامحا مع الغموض أو أي إشارة إلى تقديم تنازل للخارج. وفي ظل هذه الصورة، يبدو من السهل اعتبار ما يجري دليلا على تصلب أيديولوجي، أي على نظام يعرف نفسه على نحو أكثر إسلاموية، وأكثر ميلا إلى القمع في الداخل، وأكثر تشددا في عدائه للغرب ولإسرائيل.
غير أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تؤيد هذا الاستنتاج بصورة كاملة، بل تشير، على نحو أوضح، إلى تماسك داخلي فرضته الضغوط. فقد عززت الحرب وانتقال السلطة موقع المؤسسات الأقدر على ضمان الاستمرارية، وفي مقدمتها "الحرس الثوري"، وأجهزة الاستخبارات، والشخصيات السياسية المتحالفة معها. وأنتج ذلك بيئة حكم أكثر ضيقا، تقل فيها الأصوات القادرة على طرح مقاربات بديلة على الملأ. أما لغة التسوية، فلم تختف، بل تعرضت للضغط والضبط، وجردت، قبل كل شيء، من طابعها الشخصي.
ومهما تكن صحة ادعاء دونالد ترمب بشأن حدوث "تغيير للنظام" في طهران، فإن التمييز هنا مهم، لأن الجوهر الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية لم يشهد تحولا فعليا. فالعناصر المؤسسة له، وهي مقاومة الهيمنة الغربية، والعداء لإسرائيل، وفهم السيادة انطلاقا من نظام ذي مرجعية إسلامية، كانت راسخة قبل الحرب الحالية بوقت طويل.











