🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر | -- مشاهد مباشر
823,117 مقال 403 مصدر نشط 224 قناة مباشرة 5,900 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

السياحة والهوية الوطنية: قراءة في الأولويات

العالم
jo24
2026/06/09 - 16:48 501 مشاهدة


بعد أن هدأت إلى حد كبير موجة الجدل التي رافقت إقامة الحفل الغنائي والموسيقي في منطقة "البتراء الصغيرة" (البيضاء)، وتراجعت حدة السجالات المتبادلة على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً للابتعاد عن ردود الفعل الآنية والانفعالات المؤقتة، والانتقال إلى نقاش أكثر هدوءاً وتوازناً حول القضية من زواياها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.
فالقضية لم تكن في جوهرها مجرد خلاف حول فعالية ترفيهية محددة، بل أعادت إلى الواجهة أسئلة أعمق تتعلق بالهوية الوطنية، وأولويات التنمية، وطبيعة النموذج السياحي الذي يسعى الأردن إلى تبنيه في المستقبل. ومن حق الجميع أن يختلفوا في تقييم هذه الفعاليات، لكن من المهم أن يبقى النقاش قائماً على التفكير المتأني والبحث عن المصلحة الوطنية بعيدا عن المبالغات والشعارات، سواء في التأييد أو الرفض.
أولاً: احترام هوية المجتمع جزء من الديمقراطية
المملكة الأردنية الهاشمية دولة ذات أغلبية ساحقة مسلمة، واستقرارها التاريخي قام دائماً على معادلة العقد الاجتماعي القائم على الاحترام المتبادل لكافة مكونات الدولة. وفي هذا السياق، لا يعد احترام دين المجتمع وقيمه وأعرافه نوعاً من التشدد أو الانغلاق، بل يمثل أحد مرتكزات الاستقرار المجتمعي والعقد الاجتماعي الذي حافظ على تماسك الدولة والمجتمع.
ومن اللافت أن بعض الخطابات العامة تدافع بحق عن ضرورة احترام خصوصيات الأقليات والضيوف والسياح وثقافاتهم المختلفة، وهي قيمة حضارية مهمة لا خلاف عليها. لكن هذا المبدأ يفقد اتساقه عندما يستنكر البعض اعتراضات قطاعات واسعة من المواطنين على بعض مشاهد الرقص الصاخب والملابس الكاشفة والظواهر الدخيلة التي تؤذي الوجدان العام. فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم على احترام بعض الهويات وتجاهل أخرى، بل على الاعتراف بحق المجتمع المضيف أيضاً في الحفاظ على خصوصيته الثقافية والدينية وقيمه العامة.
ثانياً: السؤال الاقتصادي المشروع
بالإضافة الى هذه التحفظات الثقافية والدينية الهامة، فإن السؤال الاقتصادي الذي يحتاج إلى إجابة علمية وواقعية هو: هل يشكل هذا النمط من الفعاليات رافعة تنموية مستدامة للاقتصاد الوطني وللقطاع السياحي؟
هذه الفعاليات ليست تجربة جديدة في الأردن، فقد شهدتها مواقع متعددة خلال السنوات الماضية. ورغم ما تحققه من حراك إعلامي واهتمام مؤقت، إلا أن التجارب السابقة لم تقدم دليلاً واضحاً على أنها أحدثت تحولاً مستداماً في أداء القطاع السياحي أو في معدلات التشغيل والتنمية المحلية.
فالسياحة الناجحة لا تُقاس بحجم الضجة الإعلامية التي ترافق حدثاً معيناً، وإنما بقدرتها على زيادة مدة إقامة الزائر، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل مستقرة، وتحقيق قيمة مضافة مستدامة للمجتمعات المضيفة.
كما أن بعض المراقبين يشيرون إلى أن هذا النوع من الفعاليات قد يدفع شريحة من العائلات الأردنية المحافظة إلى تجنب زيارة بعض المواقع السياحية في أوقات إقامتها، وهو ما يستدعي دراسة أثرها الكلي على مختلف أنماط السياحة، بدلاً من الاكتفاء بقياس أثرها المباشر والآني فقط.
ثالثاً: السياحة المستدامة أم اقتصاد الحدث المؤقت؟
تجارب الدول السياحية الناجحة تشير إلى أن العمود الفقري للقطاع السياحي غالباً ما يتمثل في السياحة العائلية والثقافية والتراثية والتاريخية والبيئية، وهي أنماط تقوم على الإقامة لعدة أيام، واستخدام الفنادق والمطاعم ووسائل النقل المحلية، والتسوق من الأسواق والحرف التقليدية، بما ينعكس مباشرة على دخل المجتمعات المحلية.
أما نموذج "الحفلات الغنائية والموسيقية الصاخبة" ، فرغم قدرتها على جذب الاهتمام الإعلامي وإحداث نشاط اقتصادي مؤقت، فإن السؤال يبقى مطروحاً حول نسبة القيمة المضافة التي تستقر فعلياً داخل الاقتصاد المحلي مقارنة بما يغادر من أموال إلى الخارج على شكل أجور تنظيمية وحقوق فنية وتسويقية وخدمات مرتبطة بالحدث. الأمر الذي يستدعي ضرورة تقييمها، بالإضافة الى البعد الإجتماعي والديني، ضمن إطار اقتصادي متكامل يحدد بدقة حجم منفعتها الحقيقية وعلاقتها بالأهداف التنموية الوطنية.
رابعاً: الاقتصاد المنتج والتنمية المحلية
يثير الجدل حول هذه الفعاليات سؤالاً أوسع يتعلق بأولويات التنمية المحلية والوطنية. فالتحديات الاقتصادية التي يواجهها الأردن اليوم، من بطالة وضغوط معيشية وتفاوت تنموي بين المحافظات، تتطلب استراتيجيات بعيدة المدى تركز على الاستثمار المنتج وخلق فرص العمل المستدامة.

لفهم الفرق بين الاقتصاد المنتج والنشاط الاقتصادي المؤقت، يكفي النظر إلى العديد من المناطق الأردنية التي تستقبل الزوار على مدار العام، مثل عجلون وغيرها من المحافظات والمواقع الطبيعية والتراثية.
في هذه النماذج تتوزع المنافع الاقتصادية على قطاعات واسعة من المجتمع؛ فالمطاعم والاستراحات ومحال الحرف اليدوية والمزارع والمشاريع المنزلية ووسائل النقل المحلية تستفيد بصورة مباشرة ومستدامة من حركة الزوار. وهنا تتحول السياحة إلى أداة تنمية حقيقية تخلق فرص العمل وتعزز بقاء السكان في مناطقهم وتدعم الاقتصاد المحلي.
هذا النوع من التنمية هو ما يحتاجه الأردن بصورة متزايدة، لأنه يربط بين الاستثمار والسكان والمجتمع المحلي في علاقة متوازنة ومستدامة، بخلاف الحفلات الصاخبة التي لا تترك خلفها للبلد إلا الضجيج، وتراكم النفايات، والجدل الرقمي، والانقسام المجتمعي الحاد.
فالمواطن الأردني لا يبحث فقط عن مؤشرات انتعاش مؤقتة، بل يتطلع إلى اقتصاد يوفر فرصاً دائمة للشباب، ويعزز الإنتاجية، ويدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويرفع جودة الحياة بصورة ملموسة ومستقرة.
خاتمة
يمتلك الأردن من المقومات السياحية والحضارية ما يجعله وجهة عالمية متميزة دون الحاجة إلى استنساخ نماذج لا تنسجم بالضرورة مع خصوصيته الثقافية والاجتماعية. فالبتراء ووادي رم والبحر الميت وجرش وأم قيس وعجلون والكرك والمزارات الدينية والتاريخية تشكل جميعها ثروة وطنية قادرة على بناء نموذج سياحي أصيل ومستدام.
والقضية في نهاية المطاف ليست رفضاً للانفتاح أو للفنون الإيجابية أو للترفيه المحترم، بل دعوة لإعادة تقييم السياسات السياحية والتنموية بميزان المصلحة الوطنية والجدوى الاقتصادية والانسجام المجتمعي. فالأردن يستحق نموذجاً تنموياً يعزز اقتصاده ويحافظ في الوقت نفسه على هويته الثقافية والدينية وتماسكه الاجتماعي، ويجعل من السياحة أداة للتنمية المستدامة لا مجرد حدث عابر ينتهي بانتهاء فعالياته.

 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free