السياحة في مواجهة الفوضوية بمراكش
لا تفلت العين وهي تتجول بساحة الضمير المجاورة لساحة جامع الفنا العالمية لوائح إشهارية بدون هوية تجارية لتنظيم جولات سياحية هنا وهناك، ما يفسر استفحال الاقتصاد غير المهيكل في قطاع السياحة بمدينة مراكش، في وقت تسعى السياسة الحكومية إلى استقطاب 26 مليون سائح في أفق 2030. وما إن تلج الساحة حتى تفاجأ بمرشدة أجنبية يحيط بها سياح يصغون لمعلومات الله أعلم بها.
إن الإستراتيجية الجديدة، مع طموح استقبال 26 مليون سائح في أفق 2030، (18 مليون سائح أجنبي و8 ملايين وافد من مغاربة العالم)، تفرض طرح مجموعة من الأسئلة، منها إلى أي حد توجد شجاعة سياسية وأخلاقية لمواجهة القطاع غير المهيكل؟ وهل تسعى السياسات الحكومية فعلا إلى تحسين مؤشرات أداء القطاع؟ وبأي معنى يمكن الحديث عن انتشار المرشدين السياحيين بدون ترخيص، ومنهم أجانب؟ وكيف يمكن حماية السائح من المعلومات المغلوطة؟ وهل تعجز وزارة السياحة والجهات المعنية عن مواجهة سماسرة النقل والإقامة بأثمان رخيصة؟ .
سلوان برادة، رئيس جمعية وكالات الأسفار بمراكش، أوضح أن “شكايات عدة وجهت إلى كل الجهات المعنية، حكومية وإقليمية ومحلية، من أجل التدخل العاجل لمعالجة الوضع الحالي، ورفع الضرر الذي يلحق بمقاولات قانونية، تصارع لضمان البقاء أمام قطاع غير مهيكل يتهرب من الضرائب، ويقدم خدماته بأثمان بخسة (200 درهم نقلا وتغذية)، بدون تأمين ولا مكاتب، وعندما يحضر الزبون لا يجد مخاطبا”، وزاد: “هذا الوضع الذي يشكل منافسة غير مشروعة يطرح علامات استفهام كثيرة حول ضمان سلامة وأمن السائح”.
وأضاف المتحدث في تصريح للهسبريس: “قبل 14 سنة عاشت كبريات الدول المستقبلة للسياح بأوروبا، كإسبانيا، هذه المعاناة، لكنها استطاعت محاربة القطاع غير القانوني، والقضاء عليه، عبر تطبيق صارم للقانون، في وقت تصمت الجهات الحكومية عن مواجهة هذه المعضلة، رغم أن الدولة تراهن على استقبال 26 مليون سائح في أفق 2030، بفعل المؤهلات التي يتوفر عليها المغرب، وكذا قربه من أكبر خزان مصدر للسياح، ونظرا للعلاقة المتميزة التي تربطه مع كبريات الدول المصدرة للسياح؛ بالإضافة إلى الطفرة النوعية التي حققتها المملكة المغربية في تقوية البنى التحتية ووسائل النقل، فضلا عن إعداد ميثاق جديد للاستثمار من شأنه أن يشكل حافزا لجلب استثمارات أجنبية ضخمة بالإضافة إلى تعبئة الادخار والاستثمار الداخلي”.
وطالب سلوان الوزارة الوصية، والسلطة القضائية والإقليمية والمصالح الأمنية، بالتعاون من أجل التضييق على القطاع غير المهيكل، “الذي يهدد سمعة المملكة المغربية، وغرس خنجرا في عدة وكالات أسفار”، وضرب مثلا بما عرفته رحلات العمرة الأخيرة “من نصب واحتيال على المعتمرات والمعتمرين، وحالات السياح الذي يجدون أنفسهم بدون نقل نحو جهة حجزوا إليها بثمن زهيد”.
وعلاقة بالإستراتيجية الجديدة أرجع مجموعة من المتدخلين في القطاع السياحي الإقبال الذي تعرفه المملكة المغربية إلى ما حققه الفريق الوطني لكرة القدم في كأس العالم بقطر، ما جعل المغرب يصبح أشهر من نار على علم، ففاق الإقبال على مراكش التوقعات، واستدلوا على ذلك باستمرار استقبال السائح حتى في ظل حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران.
وفي السياق ذاته قال عبد الرحيم المنديلي، عضو المكتب النقابي لمرشدي الفضاءات الطبيعية، إن “معالجة الإرشاد غير المرخص يحتاج إلى تفكير جذري، فالمدن ذات الاستقطاب والجذب السياحي تعتمد على اقتصاد ذي بعد واحد، ولو كانت تتوفر على تعدد القطاعات الإنتاجية لما انتشر هذا النوع من الإرشاد الذي يهدد السائح، ويهدر وقت الشرطة ويخلق لها متاعب جانبية”، مشيرا إلى “ظهور تنافس آخر خارجي، يتمثل في تنظيم رحلات من خارج المغرب، لا تحترم القوانين، ولا تتم عبر وكالات الأسفار، ولا يستفيد منها الاقتصاد الوطني إلا بشكل هزيل”.
وتابع المنديلي: “السياحة التي بدأت تملأ أخيرا القطاع ضجيجا عظم زبائنها ليسوا من سياح الجودة الممتازة، ممن لهم القدرة الشرائية لتحريك الاقتصاد المغربي، وإنما ممن يبحثون عن الأثمان الرخيصة التي يوفرها القطاع غير منظم، الذي تسوده تنافسية سلبية، تمنع الاستفادة من الأفواج السياحية بشكل دقيق ومضبوط. وبخصوص هذه الأثمان الزهيدة (200 درهم) التي تنظم بها الرحلات القصيرة الشاملةExcursion فهي غير مطابقة للواقع وغير منطقية، تشم منها رائحة تبييض الأموال، لأنها تتضمن النقل واستعمال الباغي (الكواد) لمحبي المغامرة، وجولة على ظهر الجمال ووجبة عشاء؛ ما يعني أن منظمها لا يبحث عن الربح، بل ربما له غايات أخرى، وهو ما تؤكده القرائن”.
وأرجع المتحدث ذاته المعلومات المغلوطة التي تقدم للسائح إلى “ضعف التكوين، وغياب مكاتب الإرشاد التي يجب أن تكون منتشرة بجميع المحاور التي يقصدها السياح”، وأكد أهمية التكوين المستمر الرامي إلى تطوير الكفاءات وتعزيز قدرات المرشدين السياحيين وكل المستخدمين بالقطاعات المهنية للصناعة السياحية، مستحضرا “غياب قواعد التعامل وتقديم الخدمة، ففي كثير من الأحيان تلاحظ عمالا يتصرفون بطريقة غير احترافية عن غير قصد بسبب غياب التكوين، الذي يرفع من جودة الخدمات وصورة الاقتصاد السياحي”.
وفي السياق ذاته طالب مهنيون في قطاع السياحة بمراكش، في تصريحات متطابقة، بتحسين عمليات التحقق وتعزيز التعاون مع وزارة السياحة للحفاظ على المعايير وحماية السياح والمهنيين.
يذكر أن لمياء بوطالب، كاتبة الدولة لدى محمد ساجد، الوزير السابق للسياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، أكدت أن القطاع غير المهيكل له أهمية كبرى في السياحة، موردة: “له أهمية كبرى في السياحة لأنه يوفر طاقة إيوائية تمكننا من جلب عدد أكثر من السياح الذين سجل ارتفاع في عددهم سنة 2018 بنسبة 14% “.
The post السياحة في مواجهة الفوضوية بمراكش appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





