السويداء.. أزمة مياه والحلول تصطدم بشح الوقود
تتفاقم أزمة المياه في محافظة السويداء مع تراجع الإنتاج إلى أقل من ربع الاحتياج اليومي، وسط شلل أصاب المنظومة المائية عقب خروج محطات رئيسية عن الخدمة، أبرزها “آبار الثعلة”.
ومع انقطاع التيار الكهربائي وشح المحروقات اللازمة لتشغيل المولدات البديلة، تآكلت الحلول الرسمية تاركة السكان أمام خيارات محدودة وتكاليف باهظة لتأمين الماء.
فما حال الأهالي وسط هذا النقص الحاد؟ وما الإجراءات التي اتبعتها الحكومة والمنظمات لتخفيف العبء.. وهل نجحت؟
معركة يومية.. ما حال الأهالي؟
تحوّل انتظار “دور الضخ” إلى كابوس يوميّ يثقل كاهل الأسر، قال أحد سكان حي الدبيسي، “ننتظر دورنا كل 40 يوم مرة، وما تبقى من الشهر نشتري مياه الصهاريج بأسعار خيالية”.
وتتراوح تكلفة الصهريج بين 150 ألفًا و500 ألف ليرة سورية قديمة (الدولار يقابل 11700 ليرة)، وهو مبلغ تعجز عنه معظم العائلات في ظروفها الحالية.
بعد أحداث تموز
بحسب مدير المكتب الإعلامي في مؤسسة المياه، خالد أبو فخر، فإن الوضع التشغيلي “صعب”، فمن أصل 53 بئرًا كانت تغذي المدينة، لم يعد يعمل سوى 26 بئرًا نقطيًا فقط.
وأوضح أبو فخر، لعنب بلدي أن خروج جميع آبار قرية الثعلة في الريف الغربي عن الخدمة، بعد أحداث تموز 2025، كانت الصدمة الأكبر، إذ كانت محطتها الرئيسية تغطي ما يقارب 70% من مياه شرب المدينة، حيث كان البئر يضخ 10,000 متر مكعب من المياه وهذه الكمية كانت كفيلة بسد حاجة المواطنين.
ويواجه العاملون في المؤسسة معوقات متلاحقة، أبرزها شح المحروقات، حيث يبلغ الاحتياج اليومي قرابة 19 ألف لتر من الوقود، في ظل نقص دائم في الكميات المتوفرة، وتأخر رواتب العاملين مع بداية العام.
كما أشار أبو فخر إلى انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي، “رغم تراجع كفاءة الألواح خلال فصل الشتاء والأيام الغائمة”.
على الصعيد الرسمي
أنهت محافظة السويداء تأهيل بئر مركزي في ناحية المزرعة مطلع تشرين الأول 2025، إلى جانب إصلاح عدد من الآبار في قرى منكوبة أخرى منها الدور وحزم والصورى الصغيرة بالتنسيق مع منظمات مثل اليونيسف ومنظمة رحمة حول العالم.
وتكفلت مؤسسة المياه في المدينة بتزويد مراكز الاستضافة بصهاريج المياه يوميًا، بدعم من الجمعيات المحليّة والكنيسة.
وتأتي هذه الجهود في إطار تنفيذ الخطة الحكومية الشاملة التي تهدف إلى إعادة تأهيل الآبار المتضررة في مختلف مناطق المحافظة، ورفع كفاءتها الإنتاجية لإعادتها إلى الخدمة بطاقتها القصوى، بما يضمن تحسين واقع التغذية المائية وتلبية احتياجات الأهالي، وفق ما قاله أبو فخر لعنب بلدي.
مبادرات محليّة ودوليّة
في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة، قدم برنامج الأغذية العالميّ بالتعاون مع الهلال الأحمر السوريّ مولدة كهربائية بقدرة 600 كيلو فولت أمبير لمؤسسة المياه في أواخر العام الماضي، بهدف تشغيل محطات الضخ.
لكن تشغيلها ما يزال رهنًا بتأمين الوقود المستمر، بينما قام الهلال الأحمر السوري أيضًا بتوزيع خزانات مياه.
وبرز دور المجتمع المحلي عبر مشاريع تعتمد الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار، حيث قامت جمعية “سند الخيرية”، بتركيب 315 لوحًا شمسيًا لتشغيل محطة الضخ الرابعة، بما يضمن رفد أحياء الاستقلال والجلاء والقلعة بالمياه.
كما نفذت جمعية “مدد للإغاثة والتنمية” مبادرة “سبيل” التي وزعت 35 خزانًا مائيًا على أحياء سكنيّة، إلى جانب عملها على تركيب أنظمة طاقة شمسيّة في عدة بلدات مثل الجنينة وسهوة الخضر ومفعلة بالإضافة إلى المجيمر ونمرة وامتان.
وأنجزت مؤسسة “مدد” أول مشروع في هذه المبادرة الذي أطلقت عليه اسم “شمس ومي”، وهو مشروع محطة “ألفا”، الأضخم على مستوى محافظة السويداء، بتركيب محطة طاقة كهروضوئية لبئر قرية الجنينة الذي يغذي ثلاث قرى هي الجنينة، بارك، الرضيمة، وتستفيد منه القرى المحيطة.
رغم هذه الجهود الواعدة، يبقى التحدي الأكبر هو غياب حلول دائمة تضمن تشغيلًا مستقرًا للآبار وتوزيع عادل للمياه على جميع الأحياء، ففي ظل استمرار أزمة الكهرباء والوقود، يبدو أن معاناة الأهالي في تحمل كلفة الماء الباهظة ستستمر، مما يزيد الأعباء في ظروف اقتصاديّة ومعيشيّة متدهورة أصلًا.

