السودان: قرارات البرهان تعيد الإخوان للواجهة وتكشف صراعًا خفيًا
تشير قرارات إعادة هيكلة القيادة العسكرية في السودان، التي اتخذها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في الثاني من أبريل، إلى تحولات عميقة في موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، وسط تقديرات بأنها تمثل خطوة نحو تعزيز السيطرة العسكرية على القرار السياسي في البلاد.
وبحسب دراسة تحليلية حديثة صادرة عن مركز التقدم للسياسات، فإن تعيين الفريق أول ياسر العطا رئيسًا للأركان، إلى جانب إحالة عدد من الضباط إلى التقاعد، لا يمكن فصله عن الخلفيات الأيديولوجية لبعض القيادات، خاصة المرتبطة بشبكات إسلامية تعود إلى عهد الرئيس المعزول عمر البشير.
أبعاد تتجاوز المؤسسة العسكرية
تلفت الدراسة إلى أن هذه التغييرات تأتي في سياق حساس إقليميًا ودوليًا، مع تصاعد القلق تجاه جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان، ما يمنح القرارات أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحليلات تشير إلى أن بنية الجيش السوداني لا تزال متأثرة بإرث "التمكين"، الذي عزز نفوذ الإسلاميين داخل الأجهزة العسكرية والأمنية على مدى عقود.
إعادة بناء أم تركيز للسلطة؟
تشمل إعادة الهيكلة مفاصل حيوية داخل الجيش، من العمليات إلى الاستخبارات واللوجستيات، وهو ما يعكس توجها نحو إعادة صياغة شاملة لسلسلة القيادة، وليس مجرد تعديل إداري محدود.
ورغم أن هذه الخطوة قد تعكس محاولة لمعالجة إخفاقات القيادة السابقة في إدارة حرب معقدة وطويلة، إلا أنها تثير في الوقت ذاته مخاوف من تركيز السلطة داخل دائرة ضيقة من القيادات العسكرية.
وفي هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في الشأن السوداني أليكس دي وال أن العنف في النزاعات الممتدة غالبًا ما يُستخدم كأداة لإعادة تشكيل موازين القوة، وهو ما يدفع القيادات إلى إعادة ترتيب النفوذ داخل المؤسسات خلال فترات الحرب.
السودان في قلب التوازنات الإقليمية
تؤكد الدراسة أن استمرار ارتباط بعض مكونات السلطة العسكرية بمحاور إقليمية، خاصة تلك المرتبطة بـ إيران، يثير قلقًا متزايدًا لدى أطراف دولية، خصوصًا في ظل الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر.
وفي هذا الإطار، حذرت تحليلات صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى من أن تنامي النفوذ الإيراني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي يزيد من حساسية موقع السودان، ويضعه في دائرة التوترات الإقليمية المرتبطة بأمن الملاحة الدولية.
صراع نفوذ أم إعادة تموضع؟
تشير المعطيات إلى أن ما يجري داخل المؤسسة العسكرية يتجاوز كونه إعادة تنظيم، ليعكس صراعًا داخليًا على النفوذ ومحاولة لإعادة تشكيلها سياسيًا وأيديولوجيًا.
وفي هذا السياق، يقول الضابط المتقاعد جمال الدين حسين إن التركيز على وجود الإسلاميين داخل الجيش يغفل حضورهم الأوسع داخل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، مشيرًا إلى أن جهاز المخابرات العامة يُعد أحد أبرز مراكز نفوذ الحركة الإسلامية.
وبحسب هذه الرؤية، فإن دمج كتائب ومليشيات ذات توجهات إسلامية ضمن المنظومة الأمنية والعسكرية يعكس حجم التأثير الحقيقي لهذه التيارات داخل الدولة.
مستقبل الانتقال السياسي
في ضوء هذه التطورات، يرى مراقبون أن القيادة العسكرية في السودان، رغم إظهارها التماهي مع الضغوط الإقليمية والدولية المناهضة للإسلاميين، قد تسعى فعليًا إلى ترسيخ سلطة عسكرية تحول دون أي انتقال مدني ديمقراطي.
وبذلك، تبدو إعادة الهيكلة أقرب إلى عملية إعادة تموضع معقدة داخل بنية السلطة، تهدف إلى الحفاظ على النفوذ السياسي والعسكري، أكثر من كونها خطوة لتفكيك شبكات الإسلاميين داخل الدولة.





