ألسُن وحكايات: إلى الصديق محمد عيد العريمي
ناصر المنجي
صديقي العزيز محمد عيد العريمي دعني أختلف معك قليلًا نحن اللذين لم يختلفا مُطلقًا، رغم جماليات كتاب (مذاق الصبر) عملك الأول وما تلاه من رواياتٍ وقصص قصيرة وترجمات ألا أنه تبقى الرواية التي كتَبَتها حياتك وليس قلمك (مذاق الإرادة) هي الأثيرة إلى نفسي وروحي.
في وادي المر بجعلان بني بوعلي ولدت ونشأت يُوقظك في الصباح رُغاء الإبل، ترحل إلى صور العفيّة حيث تُشرق فيها أول شمس في الوطن العربي، (هي يا مال والله هي يا مال هي الله هي يا سيدي هي يا مال) يُردّدها البحارة تسمعها مع همس الأمواج ولكم حلمت يا صديقي أن تكبر بسرعة لتعمل نوخذة لإحدى السفن وتسافر مُتنقًلًا بين القارات والدول، في صور القديمة تاريخيا قِدم البحر تُصنع (الخشْب) السفن التجارية وأنت ترى العماني مُبدعًا في صناعتها مثلما هو مبدع في ريادة البحر، عام ألف وتسعمائة وسبعين يتولى السلطان قابوس بن سعيد – طيّبَ الله ثراه – الحكم في البلاد والتفَّ العمانيون مع سلطانهم الشاب للنهوض بالبلاد، تترك الكتاتيب يا (ود مريوْد) وتذهب إلى المدرسة حاملًا كتبك وأقلامك والمسطرة والممحاة التي تراها أول مرة في حياتك، العمانيون تغيّرت أحوالهم منهم من يدرس ومنهم من يُدرس، عادوا من شتاتهم في غربتهم القاسية، في المدرسة عرفتَ أن ثمة بلدانًا غير صور وأصبحت تقرأ عن الدول والشعوب وتترنم بقصائد الشعر العربي التي حفظتها قلبًا وقالبًا.
الذهن اللمّاح والذكاء نعمة من نعم الله التي أسبغها عليك، لذا أنت من الأوائل في كل المراحل الدراسية، أميركا التي ذهبت إليها لدراسة الهندسة لم تبهرك أنوارها وأنت الذي خرجت من مدينة صور، وعمان تتلمس دربها في البناء والتطور لتلحق بدول العالم، أحلامك أيها الصوري الجميل بالنجاح تحققت ورجعت إلى أُمك الرؤوم عُمان مُلتحقًا بالعمل مهندس في شركة تنمية نفط عمان، تُقدّم فيها زكاة العلم والاجتهاد، عمان تلك الفترة خلية نحل كل نحلة تعمل ليل ونهار لتخرج من نفق الظلام الذي كان يزاد حلكةً كل يوم ودام طويلًا وطغى على عمان التاريخ والحضارة وأنت كنت تقوم بدورك لتعود عمان مكانتها.
في العام 1982م كنت متوجهًا بالسيارة إلى العمل في أحد حقول النفط، آآآهٍ ثم ألف آه يا محمد، يتسبب جمل يعبر الطريق في حادث مروري مُروّع لك، أقدارك غريبة أخي، نشأت في الصحراء بين الجمال وتسبب جمل في تحويل مسارات الحياة، أصبت بشلل رباعي، لا يتحرك من جسمك إلا بعض أصابع اليدين، كيف تنهار الحياة والأحلام فجأة بسبب جملٍ يعبر الشارع، كيف لشخص في عنفوان شبابه دارسًا في أرقى الجامعات الأميركية أن يظل مُقعدًا على كرسي متحرك طوال حياته، كيف له أن يعيش حياة أسرية ولم يمضِ على زواجه سوى أسابيع، أصابع اليدين هي التي تتحرك وباقي أعضاء الجسم عاجزة تمامًا، لن يُقدّم لك العالم سوى الشفقة والدموع وأنت لن تتحرك قيد أنملة لأي منكب من مناكب الأرض، لله الحمد أن شركة تنمية نفط عُمان لم تستغنِ عن خدماتك بل تم تأهيلك للعمل في وظيفة مترجم تؤمن لك لُقمة العيش.
(مذاق الصبر) عملك الإبداعي الأول كان وجبتي الثقافية التي تناولتها شغفًا في ساعتين، لم يكن بيننا معرفة سابقة، كلفتني الكاتبة بشرى خلفان رئيسة أسرة كُتّاب بالتواصل معك من أجل إقامة أمسية أدبية لمناقشة الرواية كوني نائبًا لرئيس الأسرة وقتها، في منزلك العامر بالكرم والطيبة التقينا، لم أرَ شخصًا مصاًبا بالشلل الرباعي أو المليوني بل رجل أفضل مني وأقوى، تحدثنا يومها واتفقنا على موعد الأمسية، في أمسية مناقشة رواية مذاق الصبر لم أرَ حضورًا في أي فعالية ثقافية مثل تلك الليلة في تلك الليلة وأنا وأنت على منصة النادي كنت أقول لنفسي إنك أديب استثنائي فلم يكن في تاريخ الأدب تعرّض أديب لما تعرضت أنت له أن يُقدّم رواية أو مجموعة قصصية، لم يلق كتاب عماني رواجًا مثل مذاق الصبر، كسرت القيد بصدور روايتك الأولى (حز القيد) وللذكريات نصيب في كتاب (بين الصحراء والماء) أمتعتنا بـ(حكايات يونس حيم) وسمعنا (شهادة من زمن الحرب) في عام 2015م وللترجمة نصيب منها عبر ترجمتك لرواية (مزرعة الحيوان) لجورج أورويل.
تعلمت منك الكثير أستاذي محمد عيد العريمي، المحن والشدائد تصنع الرجال ومحنة المحن التي ابتليت بها صنعت محمد عيد المثقف الكاتب، وإن كتبت أنت مذاق الصبر على الصبر أن يكتب رواية أخرى عنوانها (مذاق الإرادة)، ولك التحية صديقي العزيز.





