الشعوبية الفارسية والجرح التاريخي
اقتباسات:
• هذا التحول المفاجئ لم ينطفئ أثره بزوال الدولة، بل ظل كامنا في وعي فئات من المجتمع الفارسي، يتحول مع الزمن إلى شعور مكتوم بالمرارة
• سعت الشعوبية الفارسية منذ صدر الإسلام بكل ما تستطيع إلى تشويه إرث الجزيرة العربية، والتشكيك في تاريخ العرب وأصولهم، وضرب جذورهم التاريخية والثقافية
عبدالله الرشيد
في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" يقول المؤرخ تقي الدين المقريزي في فصل عن افتراق المسلمين، وأسباب ظهور الملل والنحل: "اعلم أن السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانت من سعة الملك، وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسها، بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب عند الفرس أقل الأمم خطرا، تعاظمهم الأمر وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله تعالى الحق، وكان من قائميهم سنفاد واشنيس والمقفع وبابك وغيرهم.. فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ، واستبشاع ظلم علي بن أبي طالب، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى".
يكشف لنا هذا النص من المقريزي عن الجذور المبكرة لظاهرة الشعوبية، وهي نزعة فكرية وثقافية ظهرت في صدر الإسلام وما بعده، تقوم على منازعة العرب، والحط من شأنهم، ورفع شأن أمم أخرى على رأسها الفرس. ويعود سبب نشأة هذا التيار – كما يوضح المقريزي – إلى ما يمكن تسميته بـ"الجرح التاريخي" الذي خلفه سقوط دولة الأكاسرة الساسانية على يد العرب. ولم يكن هذا السقوط مجرد انتقال للسلطة من أمة إلى أخرى، بل كان انقلابا عميقا في الوعي الحضاري؛ إذ وجدت أمة كانت ترى نفسها في ذروة المجد والسيادة، وتصف نفسها بالأحرار والسادة، أنها قد انهزمت أمام قوم كانت تنظر إليهم في مرتبة أدنى، ولم يكن يخطر في بالها أن يكونوا يوما أصحاب الغلبة والقيادة.
هذا التحول المفاجئ لم ينطفئ أثره بزوال الدولة، بل ظل كامنا في وعي فئات من المجتمع الفارسي، يتحول مع الزمن إلى شعور مكتوم بالمرارة، أو إلى نزعة تعويض تبحث عن استعادة مكانة مفقودة، لا عبر السيف هذه المرة، بل عبر الثقافة واللغة وإعادة كتابة الماضي والتصورات.
الشعوبية ظاهرة فكرية واجتماعية وسياسية بالغة التشابك والتعقيد في تراثنا العربي والإسلامي، فهذا التيار الذي كان غالب زعمائه من الفرس مثل في أوضح تجلياته لحظة رد فعل حضاري وقومي بعد دخول بلاد فارس في حوزة الدولة الإسلامية. لهذا حاول هذا التيار بناء مشروع استراتيجي متكامل استهدف هدم الركائز الثقافية والاجتماعية التي قامت عليها "الثقافة العربية" كوعاء للدين الجديد، محاولة بذلك استعادة المجد الفارسي الضائع عبر آليات "القوة الناعمة" في الأدب، والتاريخ، والعقائد.
تيار الشعوبية الذي بدأ يظهر في أواخر العهد الأموي، وبرز بقوة في بدايات العصر العباسي، خاصة مع تعاظم السلطة العسكرية التي تقلدها أبو مسلم الخراساني، وشكل في ذاته نموذجا لإحياء الأطماع الفارسية تحت عباءة الإسلام، وهو ذات الرجل الذي ذهب ضحية طموحه، وخيالاته المفرطة، إلا أنه ترك وراءه جماعات تستلهم تلك اللحظة، وتريد استعادة المجد الضائع، حيث رأت فيه جماعات من الفرس أنه خليفة زرادشت، أو المنقذ الذي حل فيه جزء إلهي، وكلها فرق تحركها دوافع عنصرية، وطائفية، وقومية، غايتها هدم العماد الذي قام عليه الإسلام، العرب والعربية.
سعت الشعوبية الفارسية منذ صدر الإسلام بكل ما تستطيع إلى تشويه إرث الجزيرة العربية، والتشكيك في تاريخ العرب وأصولهم، وضرب جذورهم التاريخية والثقافية، ومهاجمة الأنساب العربية القديمة، والحط من شأن قبائل العرب. بل بلغ بهم الأمر أن وضعوا مؤلفات في الإساءة إلى قبيلة النبي عليه الصلاة والسلام (قبيلة قريش).
ومنهم الهيثم بن عدي الذي ألف كتابا مشينا ينتقص فيه سيدات قريش، وسهل بن هارون، وعلان الوراق الشعوبي الفارسي، الذي وضع كتاب "الميدان في المثالب" وكتابا في مثالب قريش. كما تبجح الجيهاني الشعوبي واصفا العرب بأنهم: "يأكلون الجرابيع والضباب والجرذان والحيات".
فلم يتركوا للعرب مزية أو مكرمة أو خصوصية إلا وقابلوها بالمعارضة والطعن أو بالتحريف والنقض، "فهاجموا لغة العرب وأدبهم نثرا وشعرا وخطابة وعروضا وحكما وأمثالا، وألفوا كتب المثالب فعمدوا إلى ما صدر عن كل قبيلة من بيت تعير به أو عمل تؤاخذ عليه أو جريمة حصلت فيها فقيدوها وأذاعوها، بل طالت يدهم إلى القرآن وتفسيره لصرف الآيات عن معانيها، كما امتدت أيديهم إلى الحديث الشريف فوضعوا الأحاديث الكثيرة في فضل الفرس وأسندوها إلى الثقات من الصحابة والتابعين".
بطبيعة الحال لم يكن هذا هو التيار الغالب على الفرس، بل كان لكثير منهم دور بالغ في خدمة الإسلام، واللغة العربية، بل والدفاع عن العرب، ومن أشهرهم ابن قتيبة الدينوري وهو فارسي الأصل، حيث ألف كتابا بعنوان "فضل العرب والتنبيه على علومها"، فند ادعاءات الشعوبية بنقاشات عقلية ونقلية، مؤكدا أن تفضيل العرب ليس عصبية عرقية، بل هو "اصطفاء إلهي" مرتبط بحمل الرسالة الخاتمة. وذهب ابن قتيبة إلى أن الذين اعتنقوا الشعوبية هم سفلة الناس وغوغاؤهم، فيقول: "ولم أر في هذه الشعوبية أرسخ عداوة، ولا أشد نصبا للعرب من السفلة، والحشوة، وأوباش النبط، وأبناء أكرة القرى. فأما أشراف العجم، وذوو الأخطار منهم، وأهل الديانة، فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف نسبا ثابتا".
هذه الظاهرة وإن كانت جزءا من عصور تاريخية قديمة، إلا أن دراستها قد يساهم في فهم جذور المواقف الفكرية والثقافية الراهنة، وكما يقول عبد العزيز الدوري في مقدمة كتابه المهم "الجذور التاريخية للشعوبية" إن تاريخنا متصل مترابط، يكون سلسلة حلقات متتابعة، أو مجرى متصلا، يؤدي بعضه إلى بعض. و"حاضر الأمة هو نتاج سيرها التاريخي، وبداية طريقها للمستقبل. لذا لا انقطاع في التاريخ، ولا ظاهرة فيه تبدو دون جذور وتمهيد".