الرصاص الطائش يقتل شخصين خلال احتفالات النوروز في الحسكة
قتل شخصان، بينهما طفل، وأُصيب ثمانية آخرون بجروح متفاوتة، نتيجة حوادث إطلاق رصاص طائش شهدتها مدن الحسكة والقامشلي وعامودا، مساء أمس، خلال الاحتفالات بعيد النوروز، بحسب ما أفاد به مراسل عنب بلدي.
وذكر المراسل أن من بين المصابين لاعب نادي الجهاد الرياضي، علي عصام شيخموس، الذي تعرض لإصابة جراء الأعيرة النارية العشوائية.
ونُقل فيه الجرحى إلى عدد من المشافي لتلقي العلاج، دون توفر معلومات دقيقة عن الحالة الصحية لجميع المصابين.
كما استقبل مشفى “داري” في مدينة عامودا، أمس الجمعة، أربع حالات إصابة بالرصاص، بينهم امرأة وطفل، نتيجة إطلاق الأعيرة النارية خلال الاحتفالات بالنوروز وتزامنها مع مناسبات أخرى، بينها وصول محتجزين من مقاتلي “قسد” أطلقتهم الحكومة السورية.
وقال الطبيب يونس حسين، لوسائل إعلام محلية، إن الإصابات تركزت في أطراف الجسم، مؤكدًا أن جميع المصابين تلقوا العلاج اللازم وغادروا المشفى بعد استقرار حالتهم الصحية، ما ساهم في رفع عدد الإصابات المسجلة إلى ثمانية أشخاص في عموم المنطقة.
وبحسب المعطيات، أقدم بعض المشاركين في الاحتفالات على إطلاق النار في الهواء تعبيرًا عن الفرح، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، بينهم طفل، في مشهد يتكرر في مناسبات مختلفة داخل المحافظة.
وتعليقًا على الحوادث، حذّرت قوى الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة لـ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من خطورة هذه الممارسات، مشيرة إلى أن المنطقة تمر بمرحلة “حساسة وتاريخية” تتزامن مع إعادة تنظيم ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية، إلى جانب تزامنها مع مناسبات دينية ووطنية، مثل عيدي النوروز والفطر، وإجراءات متعلقة بإطلاق سراح محتجزين وإعلان سجلات قتلى.
وقالت “أسايش” في بيان، إن إطلاق الأعيرة النارية بشكل عشوائي “لا يعبر عن الفرح أو الاحترام”، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن العام، مضيفة أن هذه الظاهرة قد تُستغل من قبل جهات تسعى إلى إثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار بين السكان.
وأكدت أن إطلاق النار العشوائي يُعد “جريمة مشهودة” يعاقب عليها القانون، وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، مشددة على أنها ستتخذ إجراءات قانونية صارمة بحق المتورطين، تشمل مصادرة الأسلحة المستخدمة، وإحالة الموقوفين إلى النيابة العامة لمحاسبتهم.
من جهته، قال نائب مدير الأمن الداخلي في الحسكة، محمود خليل (سيامند عفرين)، إن معلومات وردت إليهم في أثناء وجودهم في العاصمة دمشق للمشاركة في مراسم إيقاد شعلة عيد النوروز، تفيد بوقوع حالات وفاة وإصابات في مدن مقاطعة الجزيرة، نتيجة إطلاق الرصاص الطائش.
وأضاف خليل أن هذه الحوادث “مؤسفة”، داعيًا الأهالي إلى التحلي بالمسؤولية والوعي، والامتناع عن إطلاق النار خلال المناسبات، لما يشكله من خطر جسيم على حياة المدنيين.
وأشار إلى أن “الفرح الحقيقي يكتمل بالحفاظ على سلامة وأمن المجتمع”، في دعوة مباشرة لوقف هذه الظاهرة التي تحصد أرواح المدنيين بشكل متكرر.
غضب شعبي وتحذيرات من تكرار المأساة
في مدينة الحسكة، عبّر عدد من الأهالي عن استيائهم من استمرار هذه الظاهرة، رغم تكرار الحوادث وسقوط ضحايا في كل مناسبة تقريبًا.
وقال أحمد العبد الله، وهو أحد سكان حي غويران، إن إطلاق النار في المناسبات “لم يعد يُحتمل”، مضيفًا أن “كل عيد أو مناسبة تتحول إلى حالة خوف بدل الفرح، بسبب الاستهتار بأرواح الناس”، مشيرًا إلى أن الأطفال باتوا أكثر عرضة للخطر “لأن الرصاص لا يميز بين أحد”.
من جهته، اعتبر محمد السليمان، من سكان حي النشوة، أن الظاهرة تعكس “غياب الوعي والمسؤولية”، موضحًا أن بعض الأشخاص ما زالوا يرون إطلاق النار “مظهرًا من مظاهر الفرح أو القوة”، رغم نتائجه الكارثية، وأضاف أن “القوانين وحدها لا تكفي إذا لم يكن هناك وعي مجتمعي حقيقي بخطورة هذه الأفعال”.
خبير: انتشار السلاح وغياب الردع وراء تفاقم الظاهرة
وفي قراءة لأسباب انتشار هذه الظاهرة، قال الخبير الاجتماعي ثامر الحسن، إن إطلاق الرصاص الطائش في المناسبات يرتبط بعدة عوامل، أبرزها “الانتشار الواسع للسلاح بين المدنيين، وضعف الضبط القانوني في بعض الأحيان، إلى جانب تراكم أنماط سلوكية خاطئة ترسخت خلال سنوات النزاع”.
وأوضح الحسن أن “سنوات الحرب ساهمت في جعل السلاح جزءًا من الحياة اليومية للكثير من السكان، ما أدى إلى تراجع الحس بخطورته”، مضيفًا أن بعض الأفراد باتوا يستخدمونه بشكل عشوائي دون إدراك حقيقي للعواقب.
وأشار إلى أن الظاهرة تتغذى أيضًا على “ثقافة اجتماعية تعتبر إطلاق النار تعبيرًا عن الفرح أو الرجولة”، وهي مفاهيم بحاجة إلى “تصحيح عبر التوعية المستمرة، خاصة بين فئة الشباب”.
وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات متكاملة للحد من الظاهرة، تشمل “تشديد الرقابة على حيازة السلاح، وتفعيل القوانين بشكل صارم، إلى جانب إطلاق حملات توعية مجتمعية واسعة”، مؤكدًا أن “المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي دون تغيير السلوك المجتمعي”.
حوادث متكررة ومخاوف من استمرارها
وتشهد محافظة الحسكة خلال السنوات الأخيرة تكرار حوادث إطلاق النار العشوائي في المناسبات الاجتماعية والأعياد، في ظل انتشار واسع للسلاح بين المدنيين، وهو ما يزيد من احتمالية وقوع ضحايا.
وكانت مدينة الحسكة شهدت نهاية الأسبوع الماضي وفاة شاب متأثرًا بإصابته بطلق ناري، خلال الاحتفال بإطلاق سراح عدد من المحتجزين من “قسد” من قبل الحكومة السورية، في حادثة مشابهة تعكس خطورة الظاهرة.
وتطرح هذه الحوادث المتكررة تساؤلات حول جدوى الإجراءات المتخذة للحد منها، في وقت تتصاعد فيه مطالب الأهالي بتشديد الرقابة على السلاح، وفرض عقوبات رادعة بحق المخالفين.
وبين التحذيرات الرسمية والغضب الشعبي، تبقى ظاهرة الرصاص الطائش واحدة من أبرز التحديات الأمنية والاجتماعية في محافظة الحسكة، في ظل الحاجة إلى حلول جذرية تحول دون تكرار المآسي، وتعيد للمناسبات طابعها الآمن بعيدًا عن الخطر.




