جاءت الحرب الإيرانية العراقية لتصقل ذلك التكوين وتختبره بقسوة. ففي موقعه داخل وحدة تابعة لـ"الحرس الثوري" عُرفت باسم "مقر رمضان"، وجد ذو القدر نفسه عند نقطة التقاء الحرب بالاستخبارات وعمليات الوكلاء. ولم تكن تلك مجرد تجربة ميدانية عابرة، بل شكلت أيضا تدريبا عمليا على أسلوب بعينه في إدارة السلطة: سلطة تمارَس من خلف الواجهة، عبر الشبكات، وتمتد جذورها عبر الحدود ومؤسسات الدولة.
بعد تلك الحرب، لم يدخل ذو القدر معترك السياسة بالمعنى المباشر، بل إن السياسة نفسها أخذت، تدريجيا، تتشكل على صورة العالم الذي كان ينتمي إليه. وعلى مدى أكثر من عقد في قمة "الحرس الثوري" الإيراني، بما في ذلك توليه منصب نائب القائد، راكم نفوذه لا عبر السلطة العلنية، بل من خلال رسوخ حضوره داخل بنية المؤسسة. وبمرور الوقت، صار فعليا واحدا من أبرز رجال النظام من الداخل.
لا يمكن فهم مسيرة ذو القدر على نحو سليم بمعزل عن التحول الأوسع الذي بدأ يتشكل في أواخر تسعينات القرن الماضي. فقد أتاح عهد محمد خاتمي مساحة محدودة لانفتاح سياسي مؤقت، رفع الإصلاحيون خلاله شعارات المجتمع المدني وسيادة القانون والتعددية السياسية. وبدا، ولو لبرهة، أن الجمهورية الإسلامية ربما تملك قدرة فعلية على التطور.
لكن تلك اللحظة سرعان ما استدعت رد فعل مضادا. فخلال احتجاجات الطلبة عام 1999، وجه كبار قادة "الحرس الثوري" تحذيرا مباشرا إلى خاتمي في رسالة واضحة مفادها أن المؤسسة العسكرية ستتدخل إذا تجاوزت الإصلاحات السقف المرسوم لها. وكان من بين الموقعين محمد باقر قاليباف، الذي استلم لاحقا مواقع عليا في الدولة.
لم يكن ذلك انقلابا بالمعنى التقني الدقيق، لكنه كان، في أثره، أعمق من انقلاب كامل. فـ"الحرس الثوري" لم ينقض على السلطة ليستولي عليها، بل أعاد تحديد حدودها. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد مجرد أحد أعمدة النظام، بل غدا المرجعية الحاسمة فيه.

وفي الفترة نفسها تقريبا، كشفت واقعة أخرى عن طبقة أشد قتامة داخل بنية الدولة. فقد أظهرت سلسلة اغتيالات استهدفت معارضين ومثقفين، ونُسبت لاحقا إلى عناصر من داخل وزارة الاستخبارات، وجود جهاز قمعي يعمل بعيدا عن أي مساءلة رسمية. ولم يقتنع كثيرون برواية "العناصر المارقة"، وكانت الدلالة واضحة: فممارسة العنف دفاعا عن النظام لم تكن تحتاج إلى غطاء شعبي.
















