... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
224019 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7786 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الوهابية: البرغماتية وهندسة العنف

العالم
فواصل
2026/04/20 - 11:13 501 مشاهدة

منصة فواصل الاخبارية |

إذا كانت حلقتنا الأولى قد فككت الركائز الفكرية للوهابية كعقلية إقصائية، فإن الضرورة التحليلية تقتضي منا الآن “استنطاق الممارسة”، ليس بحثا في التاريخ لمجرد السرد، بل لنفهم كيف تتحول “الأيدولوجيا” من حروف مكتوبة إلى “فعل اجتماعي عسكري” يستبيح الوجود المادي للآخر، سنعتمد هنا على خطابات محمد عبدالوهاب إلى العلماء والقضاة ومشايخ القبائل، ثم على شهادة ابن غنام، ليس فقط كونه مؤرخاً، بل باعتباره “اللسان الرمزي” الذي وثّق لحظة انصهار العقيدة بالسلطة، فهو تلميذ المؤسس، وأحد أعلام الدعوة الوهابية.

لم تكن الوهابية مجرد دعوة دينية نشأت في فراغ، بل كانت استجابة لضرورة سياسية، لقد استطاع المؤسس، رغم افتقاره للجاه المالي والاجتماعي التقليدي إنتاج رأس مال رمزي مكثف (امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة) وقدّمه (سلعة) في “سوق التحالفات” لآل سعود، ليحدث اندماج بين “المقدس” و”العصيبة القبلية/السياسية”، مما خلق كيانًا جديدًا يتجاوز قدرة الطرفين منفردين.

لم يكن خطاب محمد عبدالوهاب واحتكاره للحق مجرد ثقة بالنفس، بل هو إلغاء لشرعية التعددية، حيث مارس عملية “تطهير معرفي”، يتجلى في رسائله التي أرسلها، وهي تعد بالعشرات، يضيق المقال عن استعراضها، ويكفي استعراض رسالة كتبها إلى الشيخ عبدالوهاب ابن القاضي عبدالله بن عيسى، الذي جمعته سابق معرفة ومودة عبر عنها في بداية رسالته، لكنه في خلالها ذكر أن فقههم ما هو إلا “زخرف قول” وكتبهم مجرد “مكاتيب شيطانية”، بل وظف قول الله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} في وصفهم، وقال مصرحا (فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده بهذا الذي تسمونه الفقه، وهو الذي سماه الله شركا) وهو بذلك مهد الطريق لإلغاء “الحصانة الاجتماعية” عن كل من يقع خارج حدود جماعته، فالمخالف له لم يعد “مخطئاً فقهياً” أو مجتهدا خانه الصواب، بل أصبح “مشركاً” و”طاغوتاً”، وهو ما نقله عنه ابن غنام بقوله: “وأما علماؤهم الذين يصدون عن سبيل الله… فهم طواغيت وأئمة كفر، تنكر قلوبهم وعقولهم سنة الرسول”، وهذا التحول في المصطلحات وتعبئة الأتباع بها هو الذي يسمح للمقاتل بممارسة العنف دون وخز ضمير، بل تقربا لله.

وقد انتقل الوصف من العلماء والقضاة إلى المجتمعات، فحين يصف ابن غنام المجتمعات المسلمة بأنها “تائهة في بيداء الضلال”، وأنهم كانوا “مشركين بالله، مرتدين عن دينه” فهو هنا يمارس عملية إعادة تعريف المجتمع، حيث إنه يسلب عنهم صفة الإيمان، ويلبسهم ثوب الكافر، فيتحول الآخر من أخ في الدين إلى هدف عسكري، وتتحول ممتلكاته من حرمة مال إلى فيء وغنيمة. وهو بذلك يكشف عن وجه مادي وعميق للحركة؛ فالعنف لم يكن عرضاً جانبياً، بل كان أداة لإعادة توزيع الثروة، فالعبارات التي أوردها المؤرخ مثل: “غنموا إبلاً وغنماً كثيراً” وقوله: “فدخلها المسلمون عنوة، وغنموا جميع ما فيها من الأمتعة والأموال، ولم يتركوا فيها شيئاً”، وقوله: “فأبادهم الله بسيوف المسلمين، وطهرت الأرض من أرجاسهم، وقسمت أموالهم فيئاً للموحدين” وغيرها كانت تشير إلى أن تكفير المجتمعات كان يوفر الغطاء الأخلاقي لعملية “توسع اقتصادي” للتحالف الناشئ، وهنا تكتمل المعادلة:
احتكار الحق + نزع صفة الإيمان عن الآخر = استباحة الوجود (دماً ومالاً).

ومجمل القول: إن العنف في المرحلة الوهابية الأولى لم يكن انفعالاً لحظياً، بل كان بنيوياً ومنظماً، فقد تأسس على ثالوث: (تأصيل نظري يكفر العموم)، و(توظيف سياسي يشيطن المعارض)، و(تطبيق مادي يستحل الدماء) وهذا يجعلنا في مواجهة مع الحقيقة التي تقول إن الفكرة عندما تغلق أبواب النقد، لا تفتح سوى أبواب العنف.

وللحديث بقية

عبدالله حديد
باحث أكاديمي

The post الوهابية: البرغماتية وهندسة العنف appeared first on منصة فواصل Fawasel Media.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤