الناتو وضفتا الأطلسي.. أوروبا تدفع لإعادة تعريف العلاقة مع المظلة الأميركية
لم تعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي تُفهم باعتبارها تحالفاً راسخاً تتجاوز بديهياته كل التساؤلات، بل أضحت مشروعاً قابلاً لإعادة التقييم والتفاوض مع كل لحظة توتر، فمنذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحول النقاش بين واشنطن وبروكسل من التساؤل حول "حجم مساهمة أوروبا"، إلى سؤال أكثر حساسية وعمقاً: "هل لا تزال الولايات المتحدة راغبة فعلاً في أن تكون جزءاً من منظومة الدفاع المشتركة؟".
لم تعد أوروبا ترى نفسها مجرد مستفيدة من المظلة الأمنية الأميركية، بل باتت لاعباً مضطراً لتحمل كلفة مالية وسياسية واستراتيجية، في سبيل إعادة صياغة قواعد علاقتها مع واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وهي عملية تجري في ظل شروط غير مضمونة، بل محفوفة بالتهديد، وتغذيها شكوك متزايدة بشأن جدوى الاعتماد الكامل على ضمانات أميركية قد تظل رهينة تقلبات المزاج السياسي داخل البيت الأبيض.
وهو ذات الأمر الذي يمضي إليه أستاذ العلوم السياسية بجامعة فيينا، هاينز جارتنر، الذي يرى في حديث لـ"الشرق"، أن الأوروبيين "يخوضون صراعاً مع تصورهم التقليدي لحلف "الناتو" بوصفه ضمانة مطلقة، في ظل إدراك متزايد بأن المظلة النووية الأميركية لم تكن يوماً مضمونة بالكامل"، مشيراً إلى أن "قرار الردع النووي لا تحكمه نصوص قانونية صارمة، بل تحيط به هوامش قرار سياسي ضيقة تُرسم بعناية".
ويقدم هذا الطرح قراءة متوازنة للعلاقة عبر الأطلسي، إذ يرفض جارتنر توصيف الأزمة باعتبارها "قطيعة جذرية"، كما ينتقد في الوقت ذاته النظرة المثالية التي تتعامل مع "الناتو" ككيان مقدس فوق السياسة.
ووفقاً لأستاذ العلوم السياسية بجامعة فيينا لا يزال الحلف ذا أهمية كبيرة لواشنطن، ليس فقط كإطار أمني، بل أيضاً كأداة نفوذ داخل أوروبا وفي جوارها، معتبراً أن تهديدات ترمب بالانسحاب "لا تتجاوز كونها وسيلة ضغط لدفع الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم العسكري وتعزيز اعتمادهم على قدراتهم الذاتية".
وعلى هذا الأساس، لا يظهر الحلف ككيان ثابت خارج نطاق المراجعة، بل كأداة ضغط سياسية توظفها واشنطن كلما أرادت إعادة ضبط إيقاع علاقتها مع القارة العجوز.
مشكلة مع ترمب أم واشنطن؟
ويضيف هاينز جارتنر، المتخصص في قضايا الأمن الدولي وحلف شمال الأطلسي والسياسة الأمنية الأوروبية، بُعداً جديداً لهذه القراءة، إذ يرى أن "المشكلة لا تكمن في الولايات المتحدة كدولة، بل في نهج الرئيس دونالد ترمب، الذي يوظف التهديد كأداة لانتزاع مكاسب تفاوضية، مع حرص واضح على إبقاء القرار الأطلسي تحت الهيمنة الأميركية من دون التزام تلقائي بكل ما يريده الأوروبيون".
ويتقاطع هذا الطرح مع ما يذهب إليه السفير الأميركي السابق لدى فنلدا، تشارلز آدامز، الذي قال لـ"الشرق"، إن "غالبية الأميركيين يعارضون خوض حرب اختيارية في إيران، ويدعمون أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي، كما يؤيدون استمرار الناتو والحفاظ على علاقة وثيقة مع أوروبا".
وانطلاقاً من ذلك، يوضح آدامز أن الانطباع السائد في أوروبا لا يستهدف المجتمع الأميركي بقدر ما يتركز على إدارة ترمب التي تعكس، في نظرهم، حالة من الهشاشة السياسية والشخصية، تغذي الشكوك في موثوقية ترمب كحليف، وتجعل الأزمة أقرب إلى خلل في نمط الحكم القائم، لا بنية النظام الأميركي ككل.
ويرى السفير السابق أن أوروبا تواجه اليوم "أزمة ثقة بنيوية" تتجاوز حدود الخلافات التقنية، ما يفرض إعادة بناء الأطر القانونية والسياسية للعلاقة، بدلاً من الاكتفاء بزيادة الإنفاق، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام سؤال جوهري: إذا لم تعد الولايات المتحدة ضامناً موثوقاً، فما البديل؟
ويعيد هذا التحليل في جوهره إحياء فكرة قديمة، لكنها تبدو اليوم أكثر حدة، إذ يشير جارتنر إلى أن واشنطن تميل إلى التعامل مع أوروبا بوصفها "شريكاً منضبطاً" أكثر من كونها "حليفاً مستقلاً"، مع إبقاء مسألة الإنفاق الدفاعي أداة ضغط قابلة لإعادة التفاوض، لا مدخلاً نحو تقاسم فعلي ومتوازن للأعباء.
وترتبط هذه الإشكالية بسؤال أوسع بشأن"الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، فعلى الرغم من أن النقاش بشان "أوروبا الدفاعية" قائم منذ سنوات، إلا أنه لم يتحول بعد إلى سياسات تنفيذية واضحة، وهو ما ينعكس في فجوة الإنفاق العسكري، إذ لا يزال الإنفاق الأوروبي مجتمعاً يدور عند نحو 60% من نظيره الأميركي، بما يؤكد أن الاعتماد على المظلة الأميركية لم يشهد تراجعاً جذرياً حتى الآن.
وأشار خبير السياسة الأمنية الأوروبية إلى أن هذا النقاش يرتبط بالمسألة النووية، وهو جانب "خطر"، وفق رأيه، ذلك أن بعض مؤيدي فكرة "دفاع نووي أوروبي" يستغلون هذه الخلافات للقول إن على أوروبا أن تدافع عن نفسها أيضاً عبر امتلاك أسلحة نووية، "لكن ذلك سيعني عملياً نهاية معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"؟.
ونبّه أستاذ العلوم السياسية بجامعة فيينا، هاينز جارتنر، إلى أن "المظلة النووية الأميركية لم تكن يوماً مضمونة بنسبة 100%، والفرنسيون يُدركون ذلك جيداً، ولهذا السبب استثمروا في قدراتهم النووية الوطنية".
واعتبر أن الاستنتاج الذي ينبغي أن يتوصل إليه الأوروبيون "ليس التوجه نحو التسلح النووي، فهذا السلاح بحد ذاته لا يُشكل حماية من الحروب التقليدية أو التدخلات العسكرية التقليدية".
وتحدث جارتنر عن الوضع في روسيا وأوكرانيا، لافتاً إلى أن "امتلاك روسيا ترسانة نووية ضخمة لم يمنع الحرب، ولم يحسم الصراع لصالحها على المستوى التقليدي".
وأشار إلى أن مسألة المظلة النووية أضحت رمزاً لهذه المفارقة، فهي مظلة حقيقية، لكنها ليست مضمونة، ولا هي نص ثابت، بل خيار سياسي متحفظ، يُعاد تقييمه في كل أزمة.
"ثقة هشة"
من جانبه، طرح تشارلز آدامز، وهو أيضاً محام دولي متخصص في التحكيم الدولي، يُقيم في جنيف، قراءة قانونية لما يجري داخل "الناتو"، تنطلق من سؤال بسيط: ما الذي أُنشئ حلف الناتو من أجله، أصلاً؟
وفي هذا الإطار يوضح آدامز أسباب امتناع بعض حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين عن الانخراط في حرب إيران رغم ضغوط البيت الأبيض، فالحلف، في نظره، "ليس أداة لتكريس أولويات أميركية خارج نطاقه الجغرافي"، وأي محاولة للزج به في أدوار هجومية في الشرق الأوسط تُعد، من حيث المبدأ، انحرافاً عن هندسته الأصلية، وتوظيفاً سياسياً لبنية أُنشئت لضمان أمن أوروبا، لا لتوسيع نطاق المغامرات الأميركية.
ويرى آدامز أن النقاش داخل حلف شمال الأطلسي شهد تحولاً عميقاً، إذ لم يعد الجدل يتركز على حجم الإنفاق العسكري بقدر ما بات يدور حول مصداقية الالتزام الأميركي وصلابته.
وأضاف: "إن ما يثير القلق اليوم هو أن القادة الأوروبيين، وكذلك الرأي العام في القارة، لم يعودوا ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها حليفاً يمكن الركون إليه داخل بنية الحلف أو حتى خارجها".
ولفت إلى أن هذا التآكل في الثقة لا يرتبط بحدث منفرد، بل هو نتيجة سلسلة من الاختبارات المتتالية التي أصابت جوهر العلاقة عبر الأطلسي، من ملفات إيران ومضيق هرمز إلى أزمة جرينلاند، وهو مسار يرى أنه قد يحتاج إلى ما لا يقل عن عقد من الزمان حتى تستعيد العلاقة نمطها السابق.
ويُذكر في هذا السياق أن قوات من الحلف شاركت على مدى 20 عاماً في ما عُرف بـ"عملية أمنية" خلال حرب أفغانستان، التي جاءت عقب هجمات 11 سبتمبر ضد الولايات المتحدة، وهو ما دفع إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف للمرة الأولى في تاريخه.
هل أصبحت واشنطن"خطراً"؟
في ملف جرينلاند تحديداً، تتخذ قراءة آدامز بعداً أكثر حدة، إذ يرى أن القضية تمثل "حالة استثنائية" يُنظر فيها للمرة الأولى إلى الولايات المتحدة، لا إلى روسيا أو الصين، باعتبارها مصدر تهديد محتمل لأرض أوروبية، في الوقت الذي تتحرك فيه من داخل تحالف قائم أصلاً على مبدأ الأمن الجماعي.
واعتبر السفير الأميركي السابق لدى فنلندا أن طرح فكرة إخضاع الجزيرة الدنماركية لسيطرة أميركية بالقوة، كما نوقش في واشنطن، يعني ـ بحسب هذا التصور ـ أن العضو الأقوى في حلف شمال الأطلسي يدرس استخدام قوته العسكرية ضد إقليم يرتبط بالحلف عبر عضوية مملكة الدنمارك.
وعند هذه النقطة، يتحول سؤال الثقة من مجرد قياس لمدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن أوروبا، إلى إشكالية أعمق: هل يمكن للحليف الأكبر أن يتحول إلى مصدر تهديد مباشر لأراض أوروبية من داخل منظومة يفترض أنها قائمة على الحماية المشتركة؟ وهل يصبح الخطر المتخيل من خصوم تقليديين أقل حضوراً من احتمال انزلاق الحليف نفسه إلى موقع الضغط أو التهديد؟
ويقول آدامز لـ"الشرق"، إن "أي تحرك أميركي ضد جرينلاند كان سيُعد عدواناً من عضو في "الناتو" ضد أراضي عضو آخر، ما يطرح سؤالاً بالغ الحساسية حول إمكانية استخدام الحلف كإطار لحماية أوروبا من ضغط أحد أعضائه الأقوى".
ومن هذا المنظور، تتكشف مفارقة قانونية وسياسية لافتة، فالحلف الذي صُمم لحماية أعضائه من خصوم خارجيين، قد يجد نفسه، نظرياً، أمام احتمال حماية عضو أضعف من اندفاعة آخر أقوى.
وهنا يطرح السفير الأميركي السابق تساؤلاته بشأن ما إذا كان يمكن أن يُستخدم حلف شمال الأطلسي يوماً ما في مواجهة أحد شركائه، وما إذا كان مبدأ المادة الخامسة يُفهم باعتباره التزاماً بالدفاع عن دولة بعينها، أم التزاماً أوسع بحماية منظومة الأعضاء حتى لو جاء التهديد من داخلها.
ولا يكتفي آدامز بانتقاد سلوك إدارة ترمب، بل يذهب إلى ما هو أعمق، عبر تفكيك البنية القانونية والأخلاقية للتحالف وحدود قدرتها على الصمود، قبل أن يتحول "الضامن" ذاته إلى مصدر قلق استراتيجي لشركائه الأوروبيين.
"صعود أوروبا السيادية"
على عكس جارتنر وآدامز، طرح الكولونيل ألان كورفيز، الضابط الفرنسي السابق والخبير في الاستراتيجية الدولية، قراءة "أكثر راديكالية" للوضع القائم، إذ رأى أن أزمة "الناتو" ليست مجرد اهتزاز عابر أو أزمة ثقة قابلة للترميم، بل بداية نهاية لبنية كاملة وولادة مشهد استراتيجي جديد.
وذكر كورفيز، إن "الحرب في إيران، وبخاصة بعد الانتصار الإيراني، واعلان الولايات المتحدة قرارها سحب قواعدها العسكرية من أوروبا، لم تعد مجرد تغيير في سياسة التموضع، بل بداية لنهاية الهيمنة الأميركية على العالم الغربي، وولادة توازنات جديدة ستتبلور بسرعة".
وأضاف المستشار السابق لقائد قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان (اليونيفيل) ولوزارتي الدفاع والداخلية في فرنسا، أنه "لا يمكن فصل وجود الاتحاد الأوروبي، كما تشكل في بروكسل، عن كونه رأس جسر للنفوذ الأميركي على القارة، فإذا تفككت الركيزة العسكرية الأميركية، تفكك معها النموذج السياسي الذي قام عليه البناء الأوروبي منذ 1945".
من هذا المنظور، اعتبر كورفيز أن "الناتو" في صيغته الحالية يُشكل "بنية ملتحمة بالبنية العسكرية الأميركية: القواعد، والانتشار، وسلسلة القيادة، والعقيدة العملياتية. وعندما تعلن واشنطن نيتها سحب قواعدها أو تقليص حضورها، فهي لا تغيّر فقط توزيع القوات، بل تضرب في صميم فلسفة الحلف".
وأشار إلى أن "تفكيك هذا الوجود يعني عملياً تفكيك الناتو، وعودة أوروبا إلى مفهوم الدول ذات السيادة، وفق المنطق الديجولي (الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول) الذي يرفض تذويب السيادة الوطنية في كيان فوق وطني".
ولا يقرأ الضابط الفرنسي السابق التلويح الأميركي بسحب القواعد بوصفه مجرد تكتيك تفاوضي مع العواصم الأوروبية، بل كـ"رسالة استراتيجية عميقة".
وتابع: "أميركا، حتى من دون تنفيذ كل تهديداتها، وجهت رسالة سياسية واضحة: مجرد التلويح بسحب القواعد وتفكيك البنى العسكرية على الأراضي الأوروبية هو في حد ذاته أداة لإجبار القارة على إعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية، وإدراك أنها لا تستطيع الرهان إلى الأبد على وجود عسكري أميركي دائم فوق أراضيها".
هل نحن أمام انهيار الأطلسية؟
ويقدم كورفيز تشخيصاً أوسع يرى أن "الحرب في إيران أطلقت دينامية انتقال نحو توازنات جديدة كانت كامنة تحت السطح"، مشيراً إلى أن ما يجري لا يقتصر على تغير في ميزان القوة العسكري، بل يمتد إلى تحول جيوسياسي يعيد أوروبا إلى ما يشبه مرحلة ما قبل الأطلسية.
ويضيف: "باستثناء اللحظة الديجولية، لم تُبنَ أوروبا سياسياً إلا تحت المظلة الأميركية. وما نعيشه اليوم هو بداية تآكل تلك الأطلسية، وعودة القارة إلى ذاتها كفسيفساء من دول ذات سيادة، لا كامتداد استراتيجي لواشنطن".
ويستحضر هذا الطرح تجربة عام 1966، حين سحب الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول القوات الفرنسية من الهيكل القيادي لحلف شمال الأطلسي، وأجبر على إعادة تموضع قواعد الحلف بفرنسا، في سياق بناء استراتيجية نووية مستقلة عُرفت بـ"القوة الضاربة" أو قوة الردع الفرنسية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن فرنسا لا ينبغي أن تكون تابعة لأي قوة أخرى.
ومن هذا المنظور، يعيد كورفيز قراءة الموقف الأوروبي من الحرب على إيران على نحو مغاير للرواية الأميركية؛ فبينما يشكو دونالد ترمب من أن حلفاء الناتو لم يندمجوا في دعم الحرب الإسرائيلية–الأميركية، يرى الضابط الفرنسي السابق أن هذا الموقف لا يعكس تراجعاً أو تردداً، بقدر ما يجسّد محاولة لاختبار استقلال القرار الأوروبي وتوسيع هامش التحدي الاستراتيجي.
"اتصالات مع طهران بمعزل عن واشنطن"
بالنسبة لكورفيز، فإن "الحرب في إيران لم تكشف (خيانة أوروبية)، بل أظهرت بداية استعادة الحس السيادي لدى الدول الأوروبية، التي باتت ترفض الانجرار إلى حرب لا تعتبرها شرعية ولا تخدم مصالحها، حتى لو جاءت الدعوة من الحليف الأميركي الأكبر".
ويشير المستشار السابق في قوات "يونيفيل" إلى أن "عبور سفينة فرنسية مضيق هرمز، بالتزامن مع إطلاق سراح أسيرين فرنسيين من إيران، لم يكن مجرد تزامن دبلوماسي، بل ثمرة قنوات اتصال مباشرة بين الرئاسة الفرنسية والسلطات الإيرانية، خارج الإطار الأوروبي الجماعي".
ويضيف أن "السفينة كانت فرنسية وليست أوروبية أو تابعة لحلف شمال الأطلسي، وأن قرار التحرك ارتبط باعتبارات أمنية وسياسية فرنسية خالصة، لا برؤية موحدة صادرة عن بروكسل".
ومن هنا يستنتج أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي دأب على تقديم نفسه كصوت أوروبي، وجد نفسه عند لحظة الاختبار مضطراً للعودة إلى منطق الدولة ذات السيادة، عبر تفاوض مباشر مع طهران وضمانات ثنائية حققت نتائج ملموسة، في حين ظل الاتحاد الأوروبي في حدود البيانات والتصريحات العامة.
وتُعيد هذه التجربة، في نظر كورفيز، إحياء نموذج الجنرال شارل ديجول، القائم على فكرة أن أوروبا ليست كياناً سياسياً موحداً بقدر ما هي مجموعة دول ذات سيادة تتعاون بحرية، وتتحرك كل منها وفق حساباتها الوطنية، دون أن تُجبر على قرارات جماعية لا تتوافق مع مصالحها. وهو لا يطرح ذلك كرفض للتعاون الأوروبي، بل كتحفظ على ما يسميه "السيادة الطوباوية" التي تسعى بروكسل إلى فرضها دون امتلاك أدوات ردع أو شرعية سياسية موحدة توازي هذا الطموح.
نموذج "بريكس"
واستحضر كورفيز مجموعة "بريكس" كنموذج معاكس للاتحاد الأوروبي الحالي، يقوم على تعاون واسع بين دوله من دون اندماج فوق وطني أو سلطة مركزية تفرض سياساتها على الأعضاء، مشيراً إلى أن "ما نجحت فيه (بريكس) هو ما فشلت فيه بروكسل: بناء أطر تعاون بين دول شديدة التباين، من دون سحب قرار الحرب والسلم من العواصم الوطنية".
واعتبر أن هذا النموذج هو "الإطار الذي يُفترض أن تبحث فيه أوروبا عن موقعها في مرحلة ما بعد الأطلسي: دول ذات سيادة كاملة، تعترف باختلافاتها وتنسّق مصالحها، من دون التنازل عن قرارها الوطني لصالح بيروقراطية فوق وطنية".
ويمتد هذا التصور إلى جوهر المسألة الدفاعية والنووية، إذ يلفت إلى أن ظهور السلاح النووي أعاد تعريف مفهوم القوة جذرياً، "فلم يعد المنطق قائماً على الإكراه عبر التفوق العسكري، بل على الردع؛ أي امتلاك قدرة تجعل الخصم المحتمل يحجم عن الهجوم لأنه يدرك أن كلفته ستكون غير محتملة"، مستشهداً بالعبارة المنسوبة إلى الجنرال شارل ديجول بأن "القوة الضاربة الفرنسية ليست مصممة لتضرب، بل لتمنع أن نُضرب".
وفي هذا السياق، يرى الضابط الفرنسي السابق أن "الردع النووي بطبيعته وطني، ولا يمكن تحويله إلى مشروع أوروبي، وأي تصور لردع نووي أوروبي يظل بلا معنى في غياب شعب واحد ودولة سياسية موحدة ونظام قرار مركزي يتحمل مسؤولية استخدامه".
وخلص إلى أن أوروبا لا تستطيع إنتاج قرار نووي جماعي من دون سيادة سياسية متماسكة، في حين تبقى الدولة الوحيدة التي تمتلك قرار استخدام نووي مستقل داخل القارة هي فرنسا، بينما ترتبط الترسانة البريطانية عملياً بالمنظومة الأميركية.
"عودة السيادة الوطنية" في أوروبا
هذه النقطة ليست تقنية بقدر ما هي سياسية بالدرجة الأولى، إذ تعني أن أي منظومة دفاعية أوروبية مستقلة لن تقوم عملياً إلا على الركيزة الفرنسية، وأن النقاش حول "الاستقلالية الاستراتيجية" لا بد أن يمر عبر سؤال جوهري: هل فرنسا مستعدة لتوسيع مظلتها الردعية لتصبح جزءاً من منظومة أوروبية ذات سيادة، أم ستظل تحتفظ بها كأداة وطنية خالصة؟ فبحسب هذا المنطق، لا ردع من دون شعوب تتبنى معنى السيادة وتتحمل كلفتها.
وفي هذا الإطار، يقرأ كورفيز الأزمة الأطلسية بوصفها جزءاً من تحول تاريخي أوسع، إذ يقول إن "الهيمنة الأميركية تتراجع، وأوروبا تجد نفسها مضطرة لمواجهة سؤال ظل مؤجلاً طويلاً: هل تريد البقاء تحت مظلة حماية خارجية إلى أجل غير مسمى، أم أن تتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها عبر سياسة خارجية مستقلة، ومنظومة أمنية تقوم على سيادات وطنية متعاونة؟”.
ولا يقدم كورفيز إجابة محايدة على هذا السؤال، بل يميل بوضوح إلى ما يسميه"عودة السيادة الوطنية"، معتبراً أن تراجع الوجود العسكري الأميركي في أوروبا يمثل "تطوراً استثنائياً ينبغي أن يُنظر إليه بإيجابية من قبل الوطنيين الأوروبيين"، لأنه، في رأيه، يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام الأوروبي على أساس دول ذات قرار مستقل، قادرة على تنويع شراكاتها، بما في ذلك مع روسيا وقوى الجنوب العالمي، من دون المرور حكماً عبر البوابة الأميركية.
