الميثاقية والكيانية في لبنان: بين الضمانة والتعطيل
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
جورج كلّاس - وزير سابق
في كل محطة دستورية أو استحقاق سياسي لبناني يطفو مصطلح "الميثاقية" إلى سطح الخطاب العام، حتى يكاد يُختزل به معيار الشرعية السياسية. تُقاس الحكومات بمدى "ميثاقيتها"، وتُقيَّم القرارات بمدى انسجامها مع هذا المفهوم، وكأنّه نصّ مؤسِّس قائم بذاته. لكنّ هذا الحضور الكثيف لا يقابله وضوح مماثل في المعنى، بل يكشف عن التباس عميق في الدلالة والوظيفة.
الميثاقية، في أصلها، ليست أكثر من صيغة توافقية لتنظيم العيش المشترك بين مكوّنات متعدّدة؛ وهي بهذا المعنى إطار لضبط المشاركة في السلطة، لا بديلاً من الدولة ولا مرجعية تعلو على الدستور. لكنّ ما شهدته الممارسة السياسية في لبنان هو انتقال هذا المفهوم من حيّزه التفسيريّ إلى حيّز الاستخدام السياسي المباشر، بحيث بات أداة تُستحضر لتعطيل قرارات، أو لفرض شروط، أو لإعادة تعريف الشرعية وفق موازين القوى.
في مقابل هذا الاستخدام المتحرّك للميثاقية، يغيب أو يُهمَّش مفهوم أكثر رسوخاً وعمقاً، هو "الكيانية". فالكيانية لا تتصل بتوازنات الحكم فحسب، بل بشرط وجود الدولة ذاتها، وبقدرتها على الاستمرار كوحدة سياسية ذات سيادة. من هنا، فإن أيّ خلل في التوازن لا يُختزل بخرق في الميثاقية، بل قد يرتقي إلى مستوى المساس بالكيان الوطني نفسه.
المفارقة اللافتة أنّ الدستور اللبناني بصيغته المعدّلة، بعد اتفاق الطائف، لا يلحظ مصطلح "الميثاقية" صراحة، ولا يتبنّى مفهوم "الديمقراطية التوافقية" بوصفه نظاماً معتمداً. ومع ذلك، فرضت الممارسة السياسية هذين المفهومين كمرجعيّتين فعليّتين لإدارة الحكم. في المقابل، تؤكّد مقدمة الدستور على مبادئ أكثر وضوحاً وثباتاً، كـالعيش المشترك، والسعي إلى إلغاء الطائفية السياسية، وعدم شرعية أي سلطة تناقض هذا العيش. وهنا تتجلّى فجوة بنيوية بين النص الدستوري والممارسة السياسية، حيث يتقدّم العرف على القاعدة، ويُستبدل الواضح بالمُلتبس.
لقد نشأت الديمقراطية التوافقية، في أدبياتها النظرية، كآلية لإدارة المجتمعات المتعدّدة، تقوم على إشراك المكوّنات المختلفة في السلطة بما يحدّ من النزاعات ويؤمّن الاستقرار. لكنّ التجربة اللبنانية أعادت تشكيل هذا النموذج على نحو مختلف، فغلب عليه طابع تقاسم السلطة بين النخب، وتحوّل إلى إطار لإعادة إنتاج الزعامات الطائفية، واحتكار التمثيل داخل كل مكوّن. وهكذا، لم تعد التوافقية وسيلة لتنظيم التعدّد، بل أصبحت بنية حكم قائمة بذاتها، تتغذّى من ذاتها وتعيد إنتاج شروطها.
ضمن هذا السياق، تحوّلت الميثاقية إلى أداة سياسية مرنة، تُستخدم عند الحاجة وتُعطَّل عند اللزوم، بحيث لم تعد مرتبطة بمبدأ ثابت، بل بموازين قوى متحركة. وهذا ما أفرغها تدريجياً من بعدها الضامن، ودفع بها نحو وظيفة تعطيلية تمسّ جوهر العملية الديمقراطية.
ويبرز هنا سؤال مركزيّ: من يمثّل العيش المشترك فعلياً؟ هل هي المرجعيات الطائفية بوصفها تعبيراً بنيوياً عن الجماعات، أم القوى السياسية التي تحتكر التمثيل داخل هذه الجماعات؟ بين هذين المستويين، تتكشف إشكالية التمثيل، حيث تتداخل الشرعية المجتمعية مع الشرعية السياسية، وتضيع الحدود بينهما.
لقد كرّس اتفاق الطائف منطق الوفاق الوطني كإطار لإدارة السلطة، وظهر ذلك في الخطاب السياسي وفي تسمية الحكومات الأولى التي أعقبته. لكنّ هذا التكريس لم يتحوّل إلى قواعد دستورية مستقرة، بل بقي عرضة للتأويل، ما أفسح المجال أمام استخدام التوافق كأداة لتقاسم النفوذ، لا كوسيلة لبناء الدولة.
المشكلة، في جوهرها، ليست في الميثاقية كمبدأ، بل في كيفية استخدامها. فالميثاقية، حين تكون ضمانة للعيش المشترك، تُسهم في حماية الاستقرار، أما حين تتحول إلى أداة تعطيل، فإنها تُقوّض الديمقراطية من داخلها، وتُفضي عملياً إلى تركيز السلطة بيد الأقوى تحت ستار التوافق.
الأخطر من ذلك أنّ هذا المسار يتقاطع مع واقع مأزوم، حيث تتنامى سلطات الأمر الواقع في ظل الأزمات المتكررة، مستفيدة من تكيّف المجتمع مع الاختلال بدل مقاومته. ومع كل أزمة، يتراجع منسوب الاعتراض، وتترسخ معادلات جديدة على حساب الدولة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة ضبط المفاهيم الناظمة للحياة السياسية، ولا سيما في ما يتصل بثلاثية: الميثاقية، والمسؤولية، والسلطة. فانتظام العمل الديمقراطي في مجتمع متعدّد لا يتحقق بالتوافق الشكليّ، بل بتوازن دقيق بين المشاركة والمساءلة، وبين الحقوق والواجبات.
لبنان، الذي توافق العالم على فرادته، واختلف أبناؤه على إدارته، يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: إما إعادة الاعتبار إلى الدستور بوصفه المرجعية العليا، وإما الاستمرار في إدارة التناقضات عبر مفاهيم ملتبسة، تتأرجح بين الضمانة والتعطيل، وبين الدولة والنظام. وفي هذا التأرجح، يكمن الخطر الأكبر على الكيان.
في لبنان، لا تُفهم الديمقراطية بوصفها مجرد آلية اقتراع، بل كصيغة عيشٍ مشترك تُدار تحت سقف التوازنات الدقيقة بين مكوّنات متعدّدة. هنا، تلتقي "الديمقراطية التوافقية" مع "الميثاقية" في علاقة ملتبسة: تكاملٌ في الأصل، وتنازعٌ في الممارسة. فالمفهومان، وإن بديا متقاربين في اللغة السياسية اليومية، ينتميان إلى مستويين مختلفين: الأول إطار نظريّ صاغه أرند ليبهارت ضمن أدبيات العلوم السياسية لإدارة المجتمعات المنقسمة، والثاني تعبير لبناني خاص عن شرعية المشاركة والتمثيل، نشأ في سياق تاريخي وطني منذ الميثاق الوطني 1943 وتكرّس لاحقًا بعد اتفاق الطائف.
في معناها النظري، تقوم الديمقراطية التوافقية على مبدأ بسيط: لا حكم لأكثرية عددية صِرفة في مجتمعٍ منقسم، بل إدارة مشتركة عبر التفاهم بين النخب، بما يضمن عدم إقصاء أيّ مكوّن أساسيّ. أما الميثاقية، فهي في جوهرها شرطٌ أخلاقي-سياسي يسبق الآليات: أن تكون السلطة انعكاسًا لتوازن الجماعات، وأن يحضر الجميع في القرار، لا بوصفهم أرقامًا، بل شركاء في الكيان. بهذا المعنى، تبدو الميثاقية روحًا، والتوافقية آلية. الأولى تمنح الشرعية، والثانية تنظّمها.
لكنّ التجربة اللبنانية تكشف أن هذا التلاقي لم يبقَ دائمًا في حدوده الصحية. فمع مرور الزمن، انزلقت العلاقة من تكاملٍ بنّاء إلى تداخلٍ مُربك. تحوّلت التوافقية، في كثير من المحطات، من وسيلة لإنتاج القرار إلى شرطٍ مُسبقٍ لتعطيله، وأُعيد تفسير الميثاقية لا كضمانة شراكة، بل كأداة اعتراض. وهكذا، صار بالإمكان أن تُرفع راية "الميثاقية" لتعليق المؤسسات، بدل أن تكون حافزًا لتفعيلها. في هذا الانزلاق، انتقل النظام من منطق "التوافق من أجل الحكم" إلى "التوافق كشرطٍ للحكم، أو لعدم قيامه".
المفارقة أن ما صُمّم لحماية التنوّع، أسهم أحيانًا في تثبيته كحدٍّ نهائي للسياسة. فالديمقراطية التوافقية، وفق ما نظّر لها أرند ليبهارت، تفترض وجود نخبٍ قادرة على التسوية وتغليب الاستقرار على المكاسب الفئوية. أما في الواقع اللبناني، فقد تحوّلت هذه النخب نفسها إلى حارسةٍ لخطوط الانقسام، تستثمر فيها أكثر مما تتجاوزها. وهنا، تفقد الميثاقية بعدها القيميّ، لتغدو جزءًا من لعبة التوازنات لا مرجعًا لها. ولا يعني ذلك أن البديل سهل أو متاح. فالدعوة إلى ديمقراطية أكثرية صِرفة في مجتمعٍ كلبنان قد تعيد إنتاج الإقصاء بأشكالٍ جديدة، وتُهدّد السلم الأهلي. لكن في المقابل، الإقامة الدائمة في نظامٍ توافقي جامد تُفضي إلى شللٍ مزمن، حيث يصبح القرار رهينة الإجماع المستحيل، وتغيب المحاسبة في ظل شراكةٍ تعمّ الجميع. بين هذين الحدّين، تتبدّى الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين التوافقية والميثاقية: لا بوصفهما ذريعة للتعطيل، بل كأفقٍ لإدارة اختلافٍ قابلٍ للتطوّر.
في المحصّلة، ليست المشكلة في المفهومين بحدّ ذاتهما، بل في كيفية استخدامهما. فحين تتقدّم الميثاقية كضمانة حضور، وتعمل التوافقية كآلية إنتاج، يستقيم النظام ويقترب من غايته. أما حين تُستعمل الأولى كسلاح تعطيل، وتتحوّل الثانية إلى قيدٍ على القرار، يصبح التوازن عبئًا، والشراكة ذريعة، والديمقراطية اسمًا بلا فعل. وفي بلدٍ كـ لبنان، حيث الكيان نفسه نتاج توازنٍ دقيق، تبقى المعضلة قائمة: كيف نحمي التعدّد من دون أن نحوله إلى قدرٍ سياسي دائم، وكيف نُبقي على الميثاق روحًا جامعة، لا نصًا يُستدعى عند كل خلاف؟!
في كل محطة دستورية أو استحقاق سياسي لبناني يطفو مصطلح "الميثاقية" إلى سطح الخطاب العام، حتى يكاد يُختزل به معيار الشرعية السياسية. تُقاس الحكومات بمدى "ميثاقيتها"، وتُقيَّم القرارات بمدى انسجامها مع هذا المفهوم، وكأنّه نصّ مؤسِّس قائم بذاته. لكنّ هذا الحضور الكثيف لا يقابله وضوح مماثل في المعنى، بل يكشف عن التباس عميق في الدلالة والوظيفة.
الميثاقية، في أصلها، ليست أكثر من صيغة توافقية لتنظيم العيش المشترك بين مكوّنات متعدّدة؛ وهي بهذا المعنى إطار لضبط المشاركة في السلطة، لا بديلاً من الدولة ولا مرجعية تعلو على الدستور. لكنّ ما شهدته الممارسة السياسية في لبنان هو انتقال هذا المفهوم من حيّزه التفسيريّ إلى حيّز الاستخدام السياسي المباشر، بحيث بات أداة تُستحضر لتعطيل قرارات، أو لفرض شروط، أو لإعادة تعريف الشرعية وفق موازين القوى.
في مقابل هذا الاستخدام المتحرّك للميثاقية، يغيب أو يُهمَّش مفهوم أكثر رسوخاً وعمقاً، هو "الكيانية". فالكيانية لا تتصل بتوازنات الحكم فحسب، بل بشرط وجود الدولة ذاتها، وبقدرتها على الاستمرار كوحدة سياسية ذات سيادة. من هنا، فإن أيّ خلل في التوازن لا يُختزل بخرق في الميثاقية، بل قد يرتقي إلى مستوى المساس بالكيان الوطني نفسه.
المفارقة اللافتة أنّ الدستور اللبناني بصيغته المعدّلة، بعد اتفاق الطائف، لا يلحظ مصطلح "الميثاقية" صراحة، ولا يتبنّى مفهوم "الديمقراطية التوافقية" بوصفه نظاماً معتمداً. ومع ذلك، فرضت الممارسة السياسية هذين المفهومين كمرجعيّتين فعليّتين لإدارة الحكم. في المقابل، تؤكّد مقدمة الدستور على مبادئ أكثر وضوحاً وثباتاً، كـالعيش المشترك، والسعي إلى إلغاء الطائفية السياسية، وعدم شرعية أي سلطة تناقض هذا العيش. وهنا تتجلّى فجوة بنيوية بين النص الدستوري والممارسة السياسية، حيث يتقدّم العرف على القاعدة، ويُستبدل الواضح بالمُلتبس.
لقد نشأت الديمقراطية التوافقية، في أدبياتها النظرية، كآلية لإدارة المجتمعات المتعدّدة، تقوم على إشراك المكوّنات المختلفة في السلطة بما يحدّ من النزاعات ويؤمّن الاستقرار. لكنّ التجربة اللبنانية أعادت تشكيل هذا النموذج على نحو مختلف، فغلب عليه طابع تقاسم السلطة بين النخب، وتحوّل إلى إطار لإعادة إنتاج الزعامات الطائفية، واحتكار التمثيل داخل كل مكوّن. وهكذا، لم تعد التوافقية وسيلة لتنظيم التعدّد، بل أصبحت بنية حكم قائمة بذاتها، تتغذّى من ذاتها وتعيد إنتاج شروطها.
ضمن هذا السياق، تحوّلت الميثاقية إلى أداة سياسية مرنة، تُستخدم عند الحاجة وتُعطَّل عند اللزوم، بحيث لم تعد مرتبطة بمبدأ ثابت، بل بموازين قوى متحركة. وهذا ما أفرغها تدريجياً من بعدها الضامن، ودفع بها نحو وظيفة تعطيلية تمسّ جوهر العملية الديمقراطية.
ويبرز هنا سؤال مركزيّ: من يمثّل العيش المشترك فعلياً؟ هل هي المرجعيات الطائفية بوصفها تعبيراً بنيوياً عن الجماعات، أم القوى السياسية التي تحتكر التمثيل داخل هذه الجماعات؟ بين هذين المستويين، تتكشف إشكالية التمثيل، حيث تتداخل الشرعية المجتمعية مع الشرعية السياسية، وتضيع الحدود بينهما.
لقد كرّس اتفاق الطائف منطق الوفاق الوطني كإطار لإدارة السلطة، وظهر ذلك في الخطاب السياسي وفي تسمية الحكومات الأولى التي أعقبته. لكنّ هذا التكريس لم يتحوّل إلى قواعد دستورية مستقرة، بل بقي عرضة للتأويل، ما أفسح المجال أمام استخدام التوافق كأداة لتقاسم النفوذ، لا كوسيلة لبناء الدولة.
المشكلة، في جوهرها، ليست في الميثاقية كمبدأ، بل في كيفية استخدامها. فالميثاقية، حين تكون ضمانة للعيش المشترك، تُسهم في حماية الاستقرار، أما حين تتحول إلى أداة تعطيل، فإنها تُقوّض الديمقراطية من داخلها، وتُفضي عملياً إلى تركيز السلطة بيد الأقوى تحت ستار التوافق.
الأخطر من ذلك أنّ هذا المسار يتقاطع مع واقع مأزوم، حيث تتنامى سلطات الأمر الواقع في ظل الأزمات المتكررة، مستفيدة من تكيّف المجتمع مع الاختلال بدل مقاومته. ومع كل أزمة، يتراجع منسوب الاعتراض، وتترسخ معادلات جديدة على حساب الدولة.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة ضبط المفاهيم الناظمة للحياة السياسية، ولا سيما في ما يتصل بثلاثية: الميثاقية، والمسؤولية، والسلطة. فانتظام العمل الديمقراطي في مجتمع متعدّد لا يتحقق بالتوافق الشكليّ، بل بتوازن دقيق بين المشاركة والمساءلة، وبين الحقوق والواجبات.
لبنان، الذي توافق العالم على فرادته، واختلف أبناؤه على إدارته، يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: إما إعادة الاعتبار إلى الدستور بوصفه المرجعية العليا، وإما الاستمرار في إدارة التناقضات عبر مفاهيم ملتبسة، تتأرجح بين الضمانة والتعطيل، وبين الدولة والنظام. وفي هذا التأرجح، يكمن الخطر الأكبر على الكيان.
في لبنان، لا تُفهم الديمقراطية بوصفها مجرد آلية اقتراع، بل كصيغة عيشٍ مشترك تُدار تحت سقف التوازنات الدقيقة بين مكوّنات متعدّدة. هنا، تلتقي "الديمقراطية التوافقية" مع "الميثاقية" في علاقة ملتبسة: تكاملٌ في الأصل، وتنازعٌ في الممارسة. فالمفهومان، وإن بديا متقاربين في اللغة السياسية اليومية، ينتميان إلى مستويين مختلفين: الأول إطار نظريّ صاغه أرند ليبهارت ضمن أدبيات العلوم السياسية لإدارة المجتمعات المنقسمة، والثاني تعبير لبناني خاص عن شرعية المشاركة والتمثيل، نشأ في سياق تاريخي وطني منذ الميثاق الوطني 1943 وتكرّس لاحقًا بعد اتفاق الطائف.
في معناها النظري، تقوم الديمقراطية التوافقية على مبدأ بسيط: لا حكم لأكثرية عددية صِرفة في مجتمعٍ منقسم، بل إدارة مشتركة عبر التفاهم بين النخب، بما يضمن عدم إقصاء أيّ مكوّن أساسيّ. أما الميثاقية، فهي في جوهرها شرطٌ أخلاقي-سياسي يسبق الآليات: أن تكون السلطة انعكاسًا لتوازن الجماعات، وأن يحضر الجميع في القرار، لا بوصفهم أرقامًا، بل شركاء في الكيان. بهذا المعنى، تبدو الميثاقية روحًا، والتوافقية آلية. الأولى تمنح الشرعية، والثانية تنظّمها.
لكنّ التجربة اللبنانية تكشف أن هذا التلاقي لم يبقَ دائمًا في حدوده الصحية. فمع مرور الزمن، انزلقت العلاقة من تكاملٍ بنّاء إلى تداخلٍ مُربك. تحوّلت التوافقية، في كثير من المحطات، من وسيلة لإنتاج القرار إلى شرطٍ مُسبقٍ لتعطيله، وأُعيد تفسير الميثاقية لا كضمانة شراكة، بل كأداة اعتراض. وهكذا، صار بالإمكان أن تُرفع راية "الميثاقية" لتعليق المؤسسات، بدل أن تكون حافزًا لتفعيلها. في هذا الانزلاق، انتقل النظام من منطق "التوافق من أجل الحكم" إلى "التوافق كشرطٍ للحكم، أو لعدم قيامه".
المفارقة أن ما صُمّم لحماية التنوّع، أسهم أحيانًا في تثبيته كحدٍّ نهائي للسياسة. فالديمقراطية التوافقية، وفق ما نظّر لها أرند ليبهارت، تفترض وجود نخبٍ قادرة على التسوية وتغليب الاستقرار على المكاسب الفئوية. أما في الواقع اللبناني، فقد تحوّلت هذه النخب نفسها إلى حارسةٍ لخطوط الانقسام، تستثمر فيها أكثر مما تتجاوزها. وهنا، تفقد الميثاقية بعدها القيميّ، لتغدو جزءًا من لعبة التوازنات لا مرجعًا لها. ولا يعني ذلك أن البديل سهل أو متاح. فالدعوة إلى ديمقراطية أكثرية صِرفة في مجتمعٍ كلبنان قد تعيد إنتاج الإقصاء بأشكالٍ جديدة، وتُهدّد السلم الأهلي. لكن في المقابل، الإقامة الدائمة في نظامٍ توافقي جامد تُفضي إلى شللٍ مزمن، حيث يصبح القرار رهينة الإجماع المستحيل، وتغيب المحاسبة في ظل شراكةٍ تعمّ الجميع. بين هذين الحدّين، تتبدّى الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين التوافقية والميثاقية: لا بوصفهما ذريعة للتعطيل، بل كأفقٍ لإدارة اختلافٍ قابلٍ للتطوّر.
في المحصّلة، ليست المشكلة في المفهومين بحدّ ذاتهما، بل في كيفية استخدامهما. فحين تتقدّم الميثاقية كضمانة حضور، وتعمل التوافقية كآلية إنتاج، يستقيم النظام ويقترب من غايته. أما حين تُستعمل الأولى كسلاح تعطيل، وتتحوّل الثانية إلى قيدٍ على القرار، يصبح التوازن عبئًا، والشراكة ذريعة، والديمقراطية اسمًا بلا فعل. وفي بلدٍ كـ لبنان، حيث الكيان نفسه نتاج توازنٍ دقيق، تبقى المعضلة قائمة: كيف نحمي التعدّد من دون أن نحوله إلى قدرٍ سياسي دائم، وكيف نُبقي على الميثاق روحًا جامعة، لا نصًا يُستدعى عند كل خلاف؟!





