... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
121762 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9482 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

المخرج محمد نظيف: مرجعياتي الفكرية متعددة.. وأحب سينما الأسئلة المفتوحة

ترفيه
هسبريس
2026/04/07 - 06:00 501 مشاهدة

في اللحظة التي نقترب فيها من تجربة المخرج المغربي محمد نظيف، لا يبدو الحوار مجرد مساحة للأسئلة والأجوبة، بقدر ما يتحول إلى فعل إنصات عميق لصوت سينمائي يتشكل في منطقة دقيقة بين الحس الإنساني والرؤية الجمالية، بين الذاكرة الفردية والأسئلة الجماعية التي تعبر الجغرافيا والهوية والزمن. وهنا، لا يتحدث المخرج فقط عن أفلامه، ولكنه يكشف عن وعي سينمائي يتأسس على إدراك حاد بأن الصورة ليست مجرد بناء بصري، ولكنها كائن حي، نابض بما يحمله الإنسان من قلق، ومن هشاشة، ومن رغبة دائمة في الفهم والنجاة.

إن الدخول إلى عالمه السينمائي ” الأندلس مونامور!” و” نساء الجناح ج ” و ” وارث الأسرار”، يشبه الدخول إلى غرفة مرايا متداخلة، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع التمثيل، وتتشابك مع الإخراج، في مسار لا يعترف بالقطيعة بقدر ما يحتفي بالتحول. فالممثل الذي عاش قلق الوقوف أمام الكاميرا سابقا، لا يغادره حين ينتقل إلى خلفها، بقدر ما يظل شاهداً داخلياً يذكّره بأن كل لقطة هي اختبار للصدق، وأن كل مشهد هو لحظة مكاشفة مع الذات قبل أن يكون عرضاً للآخر. ومن هنا، تتشكل رؤيته للإخراج بوصفه مسؤولية وجودية، لا تقنية فقط، حيث يصبح الفيلم مساحة لاحتضان الأسئلة، لا لإغلاقها.

وفي هذا الحوار المفتوح والمتعدد، على صفحات جريدة ” هسبريس الالكترونية “، تتبدى الكتابة السينمائية كما يفهمها المخرج محمد نظيف، ككائن مفتوح، لا يخضع لسلطة النص بقدر ما ينفتح على احتمالات الصورة. والسيناريو، في نظره، ليس نهاية المعنى وإنما بدايته، وهو العتبة التي تعبر منها الفكرة نحو جسدها البصري، لكنه يظل قابلاً للتحول كلما تدخلت الحياة، بكل ما تحمله من مفاجآت، في نسيج العمل. وهكذا تصبح لحظة التصوير امتداداً للكتابة، ويغدو المونتاج إعادة اكتشاف لما كان يبدو واضحاً، لكنه يخفي طبقات أخرى من الدلالة.

أما المكان، فيتجاوز عنده حدود الجغرافيا ليصبح لغة قائمة بذاتها، تكتب بها الشخصيات توتراتها الداخلية، وتكشف من خلالها عن تصدعاتها العميقة. ولا تمثل القرية، المستشفى، المدينة البعيدة، كلها فضاءات محايدة، فهي حالات نفسية، تتنفس مع الشخصيات وتتحول معها، حتى يغدو الانتقال من مكان إلى آخر انتقالاً داخل الذات قبل أن يكون عبوراً في الواقع. وبهذا المعنى، تتحول السينما إلى خريطة داخلية، تتقاطع فيها الذاكرة مع الحلم، والحقيقة مع الوهم.

ولأن الحوار الفني ليس مجرد تمرين لغوي، بقدر ما هو فعل تفكير ومساءلة، فإن هذه المساحة التي نفتحها مع المخرج تنبني على وعي بأهمية السؤال، لا بوصفه وسيلة للحصول على إجابة جاهزة، ولكنه أداة لاختبار المعنى، وتعميق الرؤية، وكشف ما يظل عادة مسكوتاً عنه داخل التجربة الإبداعية وما خلفها. وإننا هنا لا نسعى إلى تفسير أفلامه بقدر ما نحاول ملامسة ذلك القلق الخلاق الذي يحركها، ويمنحها قدرتها على البقاء مفتوحة، قابلة للتأويل، عصية على الاختزال.

وهكذا، يصبح هذا الحوار على جريدة ” هسبريس ” دعوة إلى النظر من جديد، لا إلى الأفلام فقط، وإنما إلى ما يجعلها ممكنة، إلى تلك المنطقة الخفية التي يولد فيها العمل الفني، حيث تتلاقى الرغبة في التعبير مع الحاجة إلى الفهم، وحيث يتحول الإخراج من حرفة إلى موقف، ومن تقنية إلى سؤال دائم عن الإنسان، وعن حقيقته الهشة وعن قدرته، رغم كل شيء، على أن يروي نفسه عبر الصورة.

نص الحوار

بدأت مسارك كممثل قبل أن تتحول إلى الإخراج، كيف أثّرت تجربة الوقوف أمام الكاميرا على وعيك بالصورة حين أصبحت خلفها، وهل تشعر أن الممثل داخلك لا يزال يوجّه قراراتك كمخرج؟

بالتأكيد، تجربتي كممثل أفادتني كثيرا حين انتقلت إلى الإخراج، لأنها منحتني وعيا بحساسية الممثل وبالهشاشة التي يعيشها وهو أمام الكاميرا. عندما يبدأ الإنسان مساره من التمثيل، فإنه يفهم من الداخل معنى التعرض لنظرة الكاميرا، ومعنى البحث عن الصدق داخل الشخصية، ومعنى القلق الذي يصاحب الأداء أحيانا. هذا كله جعلني، عندما أصبحت خلف الكاميرا، أكثر انتباها إلى الإنسان داخل الصورة، لا إلى الصورة وحدها.

فمروري عبر التمثيل ساعدني كثيرا على فهم الممثل، وعلى إدراك ما يحتاجه كي يشعر بالثقة، وكي يتمكن من بناء شخصيته بشكل موفق. كما ساعدني على أن أرافق الممثلين بشكل أفضل في بناء شخصياتهم وفي توجيه أدائهم، مع الحرص دائما على الحفاظ على صدقهم وعفويتهم داخل المشهد. والممثل الذي بداخلي لا يزال حاضرا اليوم، لأنه يذكرني دائما بأن الصورة لا تُبنى فقط بالعين التقنية أو الجمالية، بل أيضا بالأحاسيس التي توجد بداخلها، وبالصدق الإنساني الذي يحمله المشهد.

في انتقالك من التمثيل إلى الإخراج، هل كان ذلك بحثًا عن حرية تعبيرية أوسع أم ضرورة فنية فرضتها الأسئلة التي لم تعد الأدوار وحدها قادرة على احتوائها؟

لم يكن انتقالي من التمثيل إلى الإخراج قرارا مفاجئا أو قطيعة مع ما كنت أقوم به، بل كان ثمرة نضج فني بدأ يتشكل تدريجيا، أولا من خلال المسرح، حين كنت مسؤولا فنيا عن فرقة “مسرح الضفة الأخرى” واشتغلت على إخراج عدة أعمال مسرحية. ثم كممثل في أعمال سينمائية وتلفزيونية. هناك بدأت أشعر بأن علاقتي بالعمل الفني لم تعد تقتصر فقط على تجسيد شخصية، بل أصبحت تمتد إلى الرغبة في احتضان العمل كله، وفي التفكير في بنائه وفي رؤيته العامة.

مع الوقت، تولدت لدي رغبة أعمق في الانتقال إلى خلف الكاميرا، بمعنى تولي مسؤولية أوسع تجاه العمل الفني في كليته. الأمر يشبه إلى حدّ ما عازف كمان داخل أوركسترا، يعيش الموسيقى من الداخل، ثم يبلغ لحظة من النضج والرؤية تجعله يرغب في أن يصبح مايسترو، لا ليتخلى عن حساسيته كعازف، بل ليقود العمل بأكمله، ويمنحه وحدته ومعناه. لهذا كان الإخراج بالنسبة لي بحثا عن مساحة أوسع للتعبير، وعن موقع أستطيع من خلاله أن أطرح الأسئلة التي لم تعد الأدوار وحدها قادرة على احتوائها.

تبدو ثيمات الوطن والهوية والجغرافيا حاضرة بقوة في أفلامك، كيف تتحول هذه المفاهيم من معطيات واقعية إلى بنى نفسية ورمزية داخل الصورة السينمائية

في أفلامي، لا تحضر ثيمات الوطن والهوية والجغرافيا كأفكار مجردة، بل تنبثق من المسارات الإنسانية التي تعيشها الشخصيات. وفي فيلم “الأندلس مونامور ” مثلًا، يظهر الوطن أولا باعتباره مكانا يُراد مغادرته، فضاء يولد الرغبة في الهجرة والحلم بـ”إلدورادو” آخر. لكن هذا الحلم نفسه يتحول داخل الفيلم إلى مادة ساخرة ومؤلمة في الآن نفسه، لأن الهجرة هنا لا تطرح فقط كعبور جغرافي، بل ككشف عميق للأوهام الاجتماعية، وللفوارق، وللفساد، وللكذب السياسي الذي يدفع الأفراد إلى التشبث بصورة متخيلة عن الخلاص. وهكذا تصبح الجغرافيا في الفيلم أكثر من مسافة بين ضفتين، إنها بنية رمزية تفصل بين ما نتخيله عن العالم وما نصطدم به فعليا.

أما في فيلم “نساء الجناح ج”، فالمكان مختلفة تماما. نحن هنا داخل فضاء مغلق، داخل جناح للأمراض النفسية، لكن هذا الانغلاق لا يبقى مجرد إطار خارجي، بل يتحول إلى صورة مكثفة عن العزلة الداخلية، وعن الألم النفسي، وعن الحاجة إلى الخلاص. المكان هنا ليس مجرد مستشفى، بل عالم كامل يعكس هشاشة الشخصيات، ثم يتحول تدريجيا، عبر الصداقة والتضامن والخرجات الليلية، إلى فضاء يمكن أن تنبعث منه الحياة من جديد. لذلك فالجغرافيا هنا ليست جغرافيا عبور من بلد إلى بلد، بل جغرافيا نفسية، جغرافيا الحصار والانفراج، السقوط والنهوض.

وفي فيلم “وارث الأسرار”، تأخذ مسألة الهوية بُعدا أكثر حميمية وتعقيدا. فالفيلم ينطلق من غياب الأب، لكنه في العمق يشتغل على ما تصنعه الأسرار العائلية من تصدعات داخل الذات.

هوية البطل هنا لا تبنى على حقيقة واضحة، بل على كذبة طويلة، على فراغ ظل يرافقه منذ الطفولة. وحين تنكشف الحقيقة، لا يعود الأمر مجرد اكتشاف متعلق بالأب، بل يصبح إعادة مسألة للذات، وللعائلة، وللعلاقة بالماضي. وحتى الانتقال من المغرب إلى كندا (مونتريال) لا يقدم فقط كتنقل جغرافي، بل كرحلة داخل الذاكرة، وداخل المسكوت عنه، وداخل التحول العميق الذي يمكن أن يطال الإنسان وهويته وحقيقته.

لذلك أعتقد أن الوطن والهوية والجغرافيا في هذه الأفلام ليست خلفيات للحدث، بل عناصر أساسية في بناء المعنى، حيث تصبح جزءا من التوتر الداخلي للشخصيات، ومن أسئلتها العميقة حول الانتماء، والحرية والحقيقة والخلاص.

المكان في أعمالك ليس مجرد خلفية بل كيان حي، كيف تشتغل على “كتابة المكان” بصريًا، وهل تنطلق من ذاكرة شخصية أم من تصور جمالي مسبق

المكان في أفلامي لا يكون أبدا مجرد خلفية محايدة، بل أتعامل معه دائما باعتباره عنصرا حيا يشارك في بناء المعنى وفي تشكيل الحالة النفسية للشخصيات. أنا لا أبحث عن المكان فقط من حيث جماله البصري، بل من حيث ما يحمله من ذاكرة، ومن توتر، ومن قدرة على أن يعكس ما يجري في الداخل.

وفي فيلم “الأندلس مونامور”! مثلًا، المكان أساسي جدًا، لأننا أمام ضفتين، أمام قرية مغربية ساحلية تحمل فكرة الرحيل، وأمام أندلس متخيلة، غريبة، تكاد تكون سوريالية. وهنا المكان لا يُكتب فقط كفضاء جغرافي، بل كمسافة بين الوهم والواقع، بين الحلم الشعبي بالخلاص وبين الاصطدام بحقيقة أكثر قسوة. لذلك كان الاشتغال على المكان في هذا الفيلم مرتبطا بإبراز هذا التوتر: الساحل، البحر، العبور، والضفة الأخرى، كلها عناصر تتحول بصريا إلى لغة تحمل معنى الرغبة والخيبة معا.

وفي فيلم “نساء الجناح ج”، كان التحدي مختلفا، لأننا داخل فضاء مغلق: جناح نفسي، مكان يفترض فيه الانحباس والعزلة. لكن ما كان يهمني هو ألا يبقى هذا المكان مجرد فضاء للانغلاق، بل أن يتحول أيضا إلى مرآة دقيقة للهشاشة الإنسانية، ثم إلى فضاء يمكن أن يولد فيه التضامن والأمل. لذلك فـ”كتابة المكان” هنا كانت تقوم على جعل هذا الحيز المغلق ينبض بحياة الشخصيات، بآلامهن وبكآبتهن وبالعلاقة التي تنسج بينهن، وكأن المكان نفسه يتغير مع تطورهن الداخلي.

أما في فيلم “وارث الأسرار”، فالمكان يرتبط أكثر بالذاكرة وبالبحث عن الحقيقة. هناك أولا المغرب بما يحمله من طفولة، ومن غياب، ومن سر عائلي طويل، ثم هناك كندا (مونتريال) باعتبارها فضاء للاكتشاف والمواجهة وإعادة تركيب الماضي. وفي هذا الفيلم، المكان ليس فقط انتقالا من بلد إلى آخر، بل انتقال بين صورة قديمة للأب وحقيقة جديدة ومزلزلة. لذلك كان الاشتغال على المكان مرتبطا بهذا البعد الداخلي: كيف يصبح الفضاء امتدادا للبحث وللرغبة في فهم ما ظل مخفيا لأربعين سنة.

كيف تتعامل مع السيناريو، هل تراه نصًا مغلقًا ينبغي احترامه أم مادة أولية قابلة للتحول أثناء التصوير وفق ما تفرضه اللحظة السينمائية

أنا أتعامل مع السيناريو باعتباره ركيزة ضرورية، لأنه هو الذي يضع البنية الأولى للفيلم، ويمنحني اتجاهه العام، وشخصياته، وإيقاعه الداخلي. لكنني في الوقت نفسه لا أراه نصا مغلقا بشكل نهائي، لأن السينما، بالنسبة لي، فن حي، وما يُكتب على الورق لا يكون دائما هو نفسه ما ينكشف أثناء التصوير.

أحيانا، خلال التصوير، تظهر أشياء لم تكن متوقعة بهذا الوضوح: حضور ومساهمة ممثل، قوة صمت معين، حقيقة يفرضها المكان، أو حتى تفاصيل صغيرة تفتح معنى جديدا داخل المشهد. وفي تلك اللحظات، أعتبر أن من واجبي كمخرج أن أظل وفيّا لروح الفيلم، لا فقط لحرفية السيناريو. والمهم بالنسبة لي هو ألا يتحول النص إلى شيء جامد يمنع الفيلم من أن يتنفس.

هذا لا يعني أبدا أنني أتعامل مع السيناريو باستخفاف، بالعكس، أنا أحترمه كدعامة، لكنني أعتبره مادة أولية حية، قابلة لأن تتحول وتتعمق إذا كانت اللحظة السينمائية نفسها تقودنا إلى ذلك. بالنسبة لي، السيناريو هو نقطة الانطلاق، أما الفيلم الحقيقي فيولد أيضًا أثناء التصوير، في اللقاء بين النص والممثل والمكان والزمن، وأثناء المونتاج كذلك.

إدارة الممثل تُعد من أدق مراحل الإخراج، كيف تبني الثقة مع الممثل، وكيف تقوده نحو الأداء الذي يخدم البعد النفسي والرمزي للشخصية دون أن تفقده عفويته

إدارة الممثل بالنسبة لي من أكثر مراحل الإخراج دقة وحساسية، وربما لأنني أيضا ممثل من حيث التكوين والممارسة، وقد بدأت مساري أصلا كممثل قبل أن أنتقل إلى الإخراج. وهذه الخلفية تجعل علاقتي بالممثل قائمة على فهم عميق لما يعيشه أثناء العمل، وعلى اقتناع بأن الأداء لا يُنتزع منه، بل يُبنى معه، خطوة خطوة.

شخصيا لا أحب أن أفرض على الممثل أداء جاهزا، بل أحرص على أن نبني الشخصية معا، من خلال الحوار، والثقة، والبحث في دوافعها، وفي تناقضاتها، وفي صمتها الداخلي. ما يهمني هو أن يشعر الممثل بأنه مُرافَق في هذا المسار، لا مُوجَّه بشكل آلي. وفي الوقت نفسه، أحرص على ألا يقتل هذا الاشتغال عفويته، لأن أجمل ما في الأداء هو تلك اللحظة الحية التي يبقى فيها الممثل حرّا وصادقا.

عناوين أفلامك تبدو مشحونة بالدلالة، كيف تختار عنوان الفيلم، وهل يأتي في البداية كفكرة موجِّهة أم في النهاية كتتويج لمعنى تبلور أثناء الاشتغال

عنوان الفيلم بالنسبة لي ليس مجرد تسمية، بل هو جزء أساسي من هوية العمل ومن روحه. أتعامل معه كعتبة أولى يدخل منها المتلقي إلى عالم الفيلم، لذلك يهمني أن يكون مثيرا للفضول، وقادرا على فتح باب التأويل، من دون أن يقدّم كل شيء بشكل مباشر. وأحيانا يكون مسار البحث عن العنوان طويلا، لأن العنوان نفسه يتطور مع تطور الكتابة ومع نضج الرؤية. في بداية كتابة “الأندلس مونامور” ! مثلا، كان العنوان هو “الأندلس، البداية والنهاية”، ثم تغيّر لاحقًا، لأنني شعرت أن “الأندلس مونامور” يحمل شحنة أكثر شاعرية والتباسًا، ويعبّر بشكل أعمق عن طبيعة الفيلم، وعن علاقته بالحلم، وبالحنين، وبصورة الأندلس المتخيلة.

والأمر نفسه حدث مع “نساء الجناح ج”، إذ كان العنوان في البداية “نزيلات الجناح ج”، ثم استقر في النهاية على “نساء الجناح ج. بالنسبة لي، هذا التحول لم يكن مجرد تغيير لغوي، بل كان أيضًا تغييرًا في زاوية النظر: من توصيف مباشر لوضعيات الشخصيات داخل المؤسسة، إلى عنوان يمنحهن حضورًا إنسانيًا أوسع، ويجعل التركيز أكبر على ذواتهن، وعلى علاقتهم بالحياة، لا فقط على وضعهن كمقيمات داخل الجناح.

وفي حالة “وارث الأسرار”، هناك عنصر إضافي مهم، وهو أن الفيلم مقتبس من رواية “انعتاق الرغبة” للكاتبة المغربية فاتحة مرشيد. وهنا يصبح اختيار العنوان جزءا من عملية الاقتباس نفسها، لأن الانتقال من الرواية إلى السينما لا يقتصر على نقل الحكاية، بل يقتضي أيضًا العثور على عنوان يعبّر عن الرؤية السينمائية الخاصة بالفيلم. وقد بدا لي أن “وارث الأسرار” يلخّص بعمق ما يحمله العمل من صمت، وغياب، وإرث عائلي ثقيل، ومن بحث مؤلم عن الحقيقة.

لذلك فالعنوان عندي قد يولد في البداية، وقد يتبلور في النهاية، لكنه في جميع الحالات يمرّ بمسار من البحث، إلى أن أصل إلى الصيغة التي أشعر بأنها الأكثر وفاء لروح الفيلم، والأكثر قدرة على البقاء في ذاكرة المتلقي.

فيلمك الأخير “وارث الأسرار” لقي احتفاءً لافتًا، كيف استقبلت هذا التفاعل، وهل ترى فيه اعترافًا بتجربتك أم بداية لمرحلة أكثر تطلبًا

تلقيت التفاعل مع “وارث الأسرار” بكثير من الامتنان، لأن أي احتفاء حقيقي بالفيلم لا أعتبره مجرد نجاح خارجي، بل أراه لحظة لقاء بين العمل والمتلقي، وبين الأسئلة التي يحملها الفيلم وما تثيره داخل الجمهور. وهذا النوع من التفاعل يهمني كثيرا، لأنه يؤكد أن السينما ما تزال قادرة على أن تلامس مناطق حساسة وعميقة في التجربة الإنسانية.

لكن في الوقت نفسه، لا أرى في هذا الاحتفاء مجرد اعتراف بالتجربة بقدر ما أراه أيضا بداية لمرحلة أكثر تطلبا. لأن كل فيلم يصل إلى الناس ويترك أثرا، يضع مخرجه أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية أن يواصل البحث، وأن يذهب أبعد، وأن يبقى وفيّا لقلقه الفني وللأسئلة التي تحركه، من دون أن يسقط في التكرار أو في الاطمئنان السهل. لذلك استقبلت هذا التفاعل بفرح، نعم، ولكن أيضًا بوعي أكبر بحجم المسؤولية التي تأتي بعده.

ما الخلفيات الثقافية والفلسفية التي تؤطر رؤيتك السينمائية، وهل تميل إلى مرجعيات محددة في الفكر أو الأدب تُلهمك في بناء عوالمك

مرجعياتي الثقافية والفكرية متعددة، وأنا لا أحب أن أحصر رؤيتي السينمائية في إطار واحد أو في مرجعية واحدة. ما يغذّي نظرتي إلى السينما هو الأدب، والمسرح، والذاكرة الجماعية، والتجارب الإنسانية، والمشاهدة لأفلام متنوعة. فأنا أميل عموما إلى العوالم التي لا تقدم الإنسان بشكل مبسط أو جاهز، بل تكشف تعقيده وهشاشته وتناقضاته. كما أن تجربتي الأولى في الاقتباس، “وارث الأسرار” المأخوذ عن رواية “انعتاق الرغبة” لفاتحة مرشيد، تؤكد بالنسبة لي أهمية العلاقة بين السينما والأدب، لأن الأدب يفتح أمام السينما مناطق داخلية غنية جدا، لكنه يفرض عليها أيضا أن تعيد ابداعها بلغة الصورة. لهذا أرغب حقا في تكرار التجربة من خلال اقتباس رواية أو مسرحية في مشروعي القادم. لهذا ما يهمني ليس الانتماء إلى مرجعيات محددة أو مغلقة، بل أن أظل منفتحا على كل ما يعمّق نظرتي إلى الإنسان وإلى العالم.

كيف ترى علاقة أفلامك بالجمهور من جهة، وبحساسيات النقد السينمائي من جهة أخرى، وهل تكتب أفلامك لتُفهم أم لتُؤوَّل وتظل مفتوحة على قراءات متعددة

أرى أن علاقة الفيلم بالجمهور وبالنقد ليست علاقة تناقض، بل يمكن أن تكون علاقة تكامل. أنا لا أصنع أفلامي لكي تكون مغلقة على نخبة، ولا لكي تكون مباشرة إلى حد يفقدها عمقها. ما أبحث عنه هو أن يكون الفيلم قادرًا على أن يلمس المتفرج، وأن يفتح له بابًا للدخول، وفي الوقت نفسه أن يظل غنيًّا بما يكفي ليحتمل قراءات متعددة.

بالنسبة إليّ، الفيلم لا ينبغي أن يستهلك معناه دفعة واحدة، ولا أن يقدّم نفسه كرسالة مغلقة. أنا أحب أن يظل العمل مفتوحًا على التأويل، لأن هذا جزء من حياة الفيلم ومن قدرته على الاستمرار داخل ذاكرة المشاهد. لذلك لا أكتب أفلامي لكي تُفهم بمعنى واحد ونهائي، بل لكي تُعاش أولًا، ثم تُقرأ وتُفسَّر بطرق مختلفة، بحسب حساسية كل متلقٍّ وخبرته ونظرته الخاصة.

كلمة مفتوحة

ما أؤمن به هو أن السينما ليست فقط حكاية تُروى أو صورة تُصنع، بل هي أيضًا طريقة للنظر إلى العالم وإلى الإنسان بصدق. وأعتقد أن كل فيلم هو بداية جديدة، وسؤال جديد، ومغامرة جديدة مع الذات ومع العالم. وأنا اليوم أيضا في طور التفكير في مشروعي السينمائي المقبل، وأطمح بصدق إلى أن يكون أفضل من أعمالي السابقة على جميع المستويات، سواء من حيث الكتابة، أو الرؤية، أو الإخراج، أو الأثر الذي يمكن أن يتركه لدى المتلقي. لأن الفنان، في النهاية، لا ينبغي أن يكتفي بما أنجزه، بل عليه أن يظل في حالة بحث وتجاوز دائمين.

ولديّ أيضا رغبة قوية في أن يحظى الفيلم المغربي بعمل أكبر على مستوى الترويج والتعريف، حتى تسافر أفلامنا أكثر، وتصل بشكل أفضل إلى الجمهور الدولي. أعتقد أن السينما المغربية تملك الآن أصواتا وتجارب وقصصا تستحق أن تُرى على نطاق أوسع، وأن تجد مكانها الطبيعي في التداول السينمائي العالمي، ليس فقط من خلال جودة الأعمال، بل أيضا عبر جهد حقيقي في مواكبتها والتعريف بها خارج الحدود.

The post المخرج محمد نظيف: مرجعياتي الفكرية متعددة.. وأحب سينما الأسئلة المفتوحة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤