المجلس الاقتصادي: هيئة استشارية بلا تأثير أو مؤسسة مغيّبة؟
في خضم التحديات الاقتصادية - الاجتماعية والأزمات غير المسبوقة التي يعيشها لبنان، يبرز السؤال: أي دور للمجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي؟ وما حدود تأثيره في صنع القرار؟
عشية الانتخابات الجديدة لأعضاء المجلس، خبيران يقوّمان لـ"النهار" أداءه ومهماته، ويبرزان ميزان الإيجابيات والثغر.
ينطلق عضو المجلس صادق علوية من نقطة محورية شكلّت تغيّراً في الأداء، وهي القانون الصادر عام 2022. علوية الذي يمثّل الاتحاد العمالي العام عن فئة المستخدمين والعمال في المؤسسات العامة والمصالح المستقلة، يعي حجم الأخطار والتحديات.
يقول: "هذا القانون عدّل في بعض الصلاحيات، ورفع عدد أعضاء المجلس إلى 80 عضواً، ليصبح ممثلاً فعلياً لمختلف قطاعات المجتمع اللبناني واقتصاده، وأدخل فئة الممثلين عن المجتمع المدني، إفساحاً في المجال أمام توسيع مهماته وتفعيل دوره. إلا أن أهم مسألة أدخلت إلى القانون وطبّقت، كانت الصفة الإلزامية للاستشارات، بغض النظر عن الأخذ بنتيجة الرأي، بمعنى أنه بات لزاماً على الحكومة أن تطلب استشارة المجلس والاطلاع على رأيه ضمن مشاورات عامة في عدد من القضايا، حتى ولو لم يؤخذ بالرأي. في السابق، طلب استشارة المجلس كان قائماً على مزاجية الحكومة، إذا شاءت. أما اليوم فالقانون ملزم".
عرائض شعبية
فيما عدّل القانون مدة ولاية المجلس ورفعها من ثلاث سنوات إلى أربع، يلفت علوية إلى أن "القانون الجديد نص أيضا على إجراء مشاورات عامة، وأضيفت إلى المهمات مسألة توقيع العرائض الشعبية، بحيث اعتبر القانون أن أيّ عريضة تتضمن 5 آلاف توقيع، يصبح أمامها المجلس ملزماً إبداء الرأي في مضمونها. هذا الأمر يعدّ تحولاً بنيوياً وأساسياً يضمن نوعاً من التشاركية وتبادل الأفكار تجاه بعض الملفات".
لا شك في أن المجلس شهد أعواماً من الشلل انعكس على دوره أو حضوره في قلب الحياة الاقتصادية، فهل الثغرة في تركيبته، ولاسيما أن رفع عدد الأعضاء قد يراه البعض عبئاً على العمل لا عاملاً مساعداً؟
يرى علوية أن "الأمر معاكس. كان لا بد من رفع أعضاء المجلس بحيث يكون ممثلا فعليا لفئات المجتمع اللبناني بكل قطاعاته. هو عيّنة عن اللبنانيين وفيه تتمثّل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية الرئيسية، ولا سيما المجتمع المدني عبر شراكة في الرأي والمشورة في صياغة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة".
وإذ يلفت إلى أن "الحكومة الحالية أعطت المجلس مساحته اللازمة"، يعدّد بعض النواقص أو المتطلبات، وهي "القيام بورشة لتعديل الأنظمة ووضع نظام تطبيقي للعرائض، أي القيام داخلياً بما يشبه مراسيم تطبيقية للقانون، مما يسمح بتطبيق البعد التشاركي بفاعلية".
فشل أو تغييب؟
على المقلب الآخر، هل قضت الحكومات السابقة نفسها على المجلس الاقتصادي وشلت عمله؟
من خارج تركيبة المجلس، يرى البعض أنه فشل في أداء دوره، فيما يعتبر آخرون أنه ضحية التهميش السياسي وغياب الإرادة.
يعتبر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور بلال علامة أن "المجلس الاقتصادي كما غيره من المجالس والمؤسسات غالباً ما يساء فهم دوره. عندما أنشئ، كان الهدف إشراك القطاعات الاجتماعية وربما بعض القطاعات الخاصة، إنما تدخلت السياسة وسيطرت الأحزاب على مفهوم التعيينات واختيار الأعضاء، فتّم إدخال أعضاء مسيّرين لا مخيرّين، يلتزمون القرارات الصادرة عن الأحزاب. حتى الرأي الاستشاري في هذه الحالة لا يعود مفيداً، بدليل تعطل عمل المجلس لفترات طويلة، وعدم الأخذ بالقرارات أو الاقتراحات".
إذاً، المشكلة في السياسة وفي تركيبته؟
يجيب علامة: "تأثير المجلس بهذه التركيبة السياسية يبقى ضعيفا، وليس له مفعول. كان ممكنا أن يكون منصة اقتصادية إصلاحية لطرح السياسات الإصلاحية، إنما فقد هذا الدور ولم يعد ذا تأثير في الواقع السياسي اللبناني، نظرا إلى تركيبته".
ويتدارك: "عندما يتم تعيين أعضاء في سلطة سياسية ويكون هناك تأثير حزبي، ثم ينتخب هؤلاء رئيس المجلس ونائبه وهيئة مكتب المجلس، فيكونون تحت التأثير السلطوي والتوزّع الطائفي، ويصبح عملهم مكبّلاً ومقيّداً. كان يفترض بالمجلس أن يكون جسر وصل بين الدولة والمجتمع على غرار فرنسا مثلاً، فيعكس توجهات إصلاحية في الاقتصاد".




